طه خليفة يكتب: السلام لابد أن يأتي أخيرا

وفي سوريا، ماذا بعد ذلك الخراب الواسع في البشر والحجر؟، ماذا سيحكم بشار الأسد عندما يحل السلام؟.. يتبع.

طه خليفة*

لا بد من الحرب حتى يأتي السلام. 
هذا هو مشهد العالم اليوم وبالأمس، ومنذ ظهر البشر على وجه الأرض وهم يتحاربون ثم يُنهكون ثم يذهبون للسلام.
وطالما تلك المعادلة معروفة، ولا يتغير أحد طرفيها وهى مجربة في عدد يصعب حصره تاريخيا في التجمعات البشرية بكل تنويعاتها، فلماذا يدمن البشر الانخراط فيها، وفي النهاية يرضخون لنداء السلام؟

هل الإنسان مولود ومجبول على الغباء السياسي والإنساني، أم هو مفطور على فكرة الصراع الذي يرتفع به إلى أعلى صوره وهو إراقة الدماء بلا حساب ولا اعتبار؟
هل جريمة قتل قابيل لشقيقه هابيل وهى الأولى في سفك الدماء على الأرض كانت التدشين الأبدي لأنهار من الدماء ستظل تسيل بلا توقف حتى تقوم قيامة هذه الدنيا؟ وهل بالضرورة يجب أن يتم تنفيذ الجانب الأحمق في القصة الأولى من القتل وهو الاندفاع نحو فعل الجريمة، وتجاهل الجانب الآخر لها وهو الندم على فعلها وتأنيب الضمير ومراجعة النفس؟ وهذا ما أود الدخول إليه وهو لماذا لا يكون الأصل هو السلام على الأرض بين جميع سكانها، لتكون هناك معادلة أخرى هى: السلام أولا وأخيرا لقطع الطريق على الحرب.
في التاريخ لا تجد تجمعا بشريا ولا أمة ولا حضارة ولا عرقا ولا لونا أفضل من الآخر في معادلة الحرب ثم السلام، فالجميع انخرط في المعادلة الدموية وشرب من الدماء إلى ما بعد الشبع منها بمراحل، وفي باطن الأرض يرقد الملايين أو المليارات من ضحايا تلك المعادلة بعضهم كان وقودا لها، وبعضهم كان محركا لها، وبعضهم كان راغبا فيها، واتصور أنهم لوعادوا للحياة مرة أخرى فإنهم سيتعانقون ولن يحملوا سلاحا أبدا.
وصنع السلام أصعب من صنع الحرب، طلقة واحدة تخرج تفجر حربا وقد تتسع لتصير حربا عالمية تشمل مناطق واسعة على كوكب الأرض كما حدث في الحرب العالمية الأولى، وكما حصل في كل الحروب التي شهدتها الإنسانية فهى تبدأ لأسباب لا يمكن تصديقها أحيانا من خفتها ومن كون شرارتها تنطلق في لحظة غياب للعقل الذي متع الله به الإنسان ليميزه عن مختلف الكائنات والمخلوقات الأخرى، فإذ به يعطل تلك الآلة العظيمة ويصير في درك أسفل من الحيوانات التي لا تشن حروبا فظيعة على بعضها البعض ولا تفني أمما منها، إنما فقط بينها صراعات القوة في حدها الأدنى لأجل الحفاظ على النفوذ وملء البطون الجائعة.
أنا دائم النظر في مسألة سفك الدماء، وفي سهولة التصويب والقتل، وفي عمليات الإبادة الجماعية، وفي خطف الأرواح، وفي المجازر، وفي كل أشكال وضع نهاية لحياة الإنسان بالقوة، ولا أفهم حتى الآن كيف يصير الإنسان هكذا جزارا منزوع القلب والضمير والأخلاق والإنسانية والدين أيضا، فلا رسالة سماوية تبيح القتل من أجل القتل، إنما هناك شرائع تتدخل وتضبط عملية القصاص، وإذا كانت هناك شرائع تتحدث عن إبادة أجناس من البشر لو تمكن منها من يؤمنون بتلك الشرائع، فهى ليست التي نزلت من السماء، إنما هى التدخلات والتحريفات البشرية في قوانين إلهية، الله إله السلام وليس إله الحرب، الله إله الحياة وليس إله القتل، الله إله المحبة وليس إله الكراهية، الله إله كل ما يحيي الإنسان ويجعله جميلا، وليس إله كل ما يميت الإنسان ويجعله متوحشا.
أحيانا تكون الحرب هي الشر الذي لا بد منه عندما يجب التصدي للعدوان من طرف قاتل للسلام، كاره للإنسان، يصعب الاستسلام هنا، ويكون الموت هنا بشرف، سواء للجماعة البشرية، أو للفرد المدافع عن نفسه وماله وعرضه ودينه.
لا تتقدم أمة في ظل انشغالها بالحرب، قد تتقدم فقط في الصناعات المرتبطة بآلة الحرب والقتل، لكن التقدم الحقيقي والازدهار يحدث في ظل السلام، ألمانيا واليابان نموذجان، وصلا مرتبة عليا في النهوض في مختلف المجالات اليوم تحت شجرة السلام الوارفة بعد الحرب العالمية الثانية، ولا اعتقد أن الشعبين يمكن أن يميلا يوما لنوازع الحرب وتكدير البشرية كما فعلا مرتين في القرن العشرين.
وإسرائيل يمكن أن تعيش في سلام مع العرب أفضل كثيرا من أن تعيش يوميا على وقع الحرب وخطط الطوارئ وتفريغ السكان سريعا في الملاجئ وبناء الجدران العازلة ونشر منظومات الصواريخ وإنفاق المليارات على التسليح وابتزاز المليارات من الغرب على السلاح أيضا وتكديسه، وصنع المزيد من القنابل النووية، ولو انفجر مفاعل نووي لدقائق سيكون ضرره على الإسرائيليين أشد من كل حروبها مع العرب وخسائرها البشرية والمادية ستكون بلا حساب.
وفي سوريا، ماذا بعد ذلك الخراب الواسع في البشر والحجر؟، ماذا سيحكم بشار الأسد عندما يحل السلام؟، هل كان الأفضل له أن يظل حاكما لدولة تحتفظ بقدراتها وشعبا يعيش في مختلف مناطقه مع إصلاحات سياسية تميزه في الحاضر وفي التاريخ عن غيره، أم يحكم خرابة وقبرا واسعا وأرضا لن تفارقها رائحة الدماء، وإذا زالت منها يوما فلن تزول من النفوس؟، لا أدري ماذا يقول لنفسه عندما يختلي بنفسه؟، وهكذا الاستغراب نفسه من كل القتلة أمثاله حكاما وجيوشا وجماعات وعصابات وميليشيات وأفرادا في كل بلدان الحروب في منطقتنا وفي المناطق التي مازالت موبوءة بالصراعات والحروب.
من ينظر لخريطة العالم سيجد أن كل الدول التي حسمت خيارها نحو السلام هى التي تبني حياة لإنسانها اليوم وتوفر له الكرامة والرفاهية، والدول التي لاتزال أسيرة لفكرة الحرب لا تجد ما تطعم به إنسانها، أليس نموذج الكوريتين عظيم الدلالة، الكوري الجنوبي يعيش، والكوري الشمالي يموت.
الشرق الأوسط الكبير ودول عديدة في إفريقيا هى المناطق التي لاتزال غارقة في الدماء حتى رأسها، ولاتزال أكثر مناطق العالم تراجعا وتخلفا، يولد الإنسان في هذه المناطق ليكون يوما قاتلا أو مقتولا، قاهرا أو مقهورا، ظالما أو مظلوما، فإذا نجا من أن يكون عنصرا في حرب نظامية أو في اقتتال أهلي، فإنه لا ينجو من الاستبداد وتوابعه من فقر وبؤس وإذلال ومهانة.
بقية مناطق العالم تيقنت من أن السلام لابد أن يأتي أخيرا، فسعت إليه، وتعمل على صيانته، وتتجنب إهداره، كما وجدت أن حياتها صارت أفضل بدون الحرب، وأن شعوبها يمكن أن تحيا وتفرح وتعمل وتنتج في ظل الأمان الفردي والجماعي من شبح الموت المجاني في حروب عبثية.
لعل تجربة دول أمريكا اللاتينية كلها تصلح لتكون نماذج هداية لبلدان العالم التي تماثلها في نفس ظروفها، وهذه البلدان تقع في عالم الجنوب مثلها، نطاق جغرافي واحد غاية في التعاسة تتخلله نقاط ضوء في الشطر الغربي منه في أمريكا الوسطى والجنوبية التي انتهجت أفضل خيارين لها وتتمسك بهما بشدة وهما: الديمقراطية، وطي صفحة النزاعات الداخلية، وظروف جميع بلدانها كانت متشابهة في الحكم العسكري الدموي، وفي الصراعات والحروب الأهلية.
أحدث نزاع دام طويل جدا يتم حاليا وبشجاعة وإصرار وضع نهاية أبدية له هو الصراع المسلح في كولومبيا، هناك اتفاق سلام بين الدولة وبين القوات المسلحة الثورية المعروفة باسم “فارك” وهى منظمة يسارية، والاقتتال الأهلي استمر 52 عاما وكلف كولومبيا ضحايا وخسائر رهيبة، كانت هناك حركات متمردة مسلحة أخرى، لكنها كفت عن القتال، أو تضاءلت قوتها وانهار عزمها.
العالم رحب بشجاعة الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس وزعيم فارك رودريغو لوندونو المعروف باسمي “تيموليون خيمينيز” و”تيموشنكو” في توقيعهما على اتفاق سلام تاريخي، ولا يعني أن الشعب الكولومبي صوت في الاستفتاء ضد الاتفاق أن نهج السلام سقط، إنما فقط التصويت كان ضد بنود الاتفاق، وكان الفارق بسيطا بين المؤيدين والمعارضين.
عملية السلام مستمرة والتفاوض قائم والإصرار ثابت على أن السلام هو الحل النهائي بعد أكثر من نصف قرن من الحرب، ألم يسمع بشار الأسد وحكومة العراق وفرقاء اليمن وليبيا والصومال وكل دولة تشهد أزمات وانقسامات داخلية بقصة سلام كولومبيا؟ هل تنتظر تلك الدول 50 عاما من التدمير الذاتي والتدخل الإقليمي والدولي حتى تقتنع أن السلام هو الخيار الأخير والوحيد الآمن؟، وألم يسمع قادة وعناصر منظمات وجماعات العنف والإرهاب في كل مكان أنها مهما قاتلت مثل منظمة “فارك” فلن تجني شيئا غير الفناء للمنضوين تحت لواءاتها والمغررين بشعاراتها.
لذلك كان قرار لجنة نوبل للسلام هذا العام موفقا بقدر معقول بمنح الجائزة للرئيس الكولومبي، وهو اختيار قائم على كونه رجل سلام حقيقي يستحق التقدير والجائزة، وفي الاختيار جانب سياسي، وهو تحفيزه وتشجيعه على مواصلة التفاوض مع “فارك” لإنجاز اتفاق أخير يرضي الشعب الكولومبي.
طالما أن السلام لابد أن يأتي أخيرا، وهذه حكمة التاريخ، فلماذا لا يأتي السلام دائما أولا، ولا يكون هناك بديل له؟

________________________

*كاتب وصحفي مصري 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان