حنان علي تكتب: حلم الهجرة وسماسرة الموت!

حاكموا من يقومون بغواية الشباب من سماسرة الموت وتجار البشر الذين ينزلون القرى والنجوع ليرغبوا شبابنا في ترك بلادهم والرضا بالمرمطة خارجها.. يتبع.
حنان علي*
![]() |
“الهجرة” ليست مجرد حلم لشاب فقير يبدأ بفكرة شيطانية داخل الرأس، وينتهي بأحد مراكب الموت غير الشرعية التي تحصد أرواحهم، بل أصبح حلم الكثيرين من أبناء الشعب المصري الذي يعاني الأمرين من الارتفاع الجنوني للأسعار، ما جعل متطلبات الحياة اليومية فوق طاقته، حتى بالنسبة للطبقة المتوسطة والتي تكاد أن تتلاشى، لأن نظام مبارك قضى بسياستها علي أغلبها،وأصبح الشعب طبقتين إما أثرياء ثراء فاحشاً، أو فقراء فقراً معدما .
فالهجرة أصبحت حلم الشباب جميعا، أميا كان أو مثقفا؛ حيث الأمي يطمح أن يكون مثل جاره المهاجر، والمثقف يهرب حفاظاً على هويته وكرامته التي تهان لو فكر في التنفس في مواجهة السلطة.
ولهذا فإن ما حدث بالنسبة لمركب رشيد ليس الأول ولا الأخير من نوعه، وستتكرر المأساة طالما هناك شباب يلهث وراء الثراء بعد ان أضناه الجوع .
هذا الشباب للأسف، وليس تحاملا عليهم ولا دفاعا عن الحكومة الحالية وسياساتها المتخبطة التي تحمل المواطن ما لا يستطيع تحمله، صار يلهث وراء الحلم وتقليد من سبقوه من أبناء بلدته فهناك قري بأكملها تحمل اسم مدن أوربية لأن اغلب أبنائها سافروا إلى تلك المدن وعادوا وقاموا ببناء المنازل الحديثة.
هؤلاء الشباب نوعان الأول يرى أنها مغامرة لجمع المال والعيش في وضع أفضل.
والثاني بحثا عن العيشة الرغدة وحلم الحصول علي الجنسية بزواجه من أجنبية ويكون بذلك ضرب عصفورين بحجر واحد “عمل وتزوج”.
ما يحدث ليس وليد اللحظة ولا يسال عنه النظام الحالي فقط فهو نتيجة لسياسات متراكمة منذ زمن بعيد وساهمت الدراما المصرية للأسف في تضخيم هذا الحلم، حين صورت كل من يهاجر إلي الدول الأوروبية بأنه يصبح ثرياً. ورغم أن أغلب النماذج التي تناولتها الدراما مثل “النمر الأسود” للراحل احمد زكي، علي سبيل المثال يمكن أن تكون حقيقية، فإن الشباب يتخيل أن كل من يذهب سيكون مثل محمد حسن بطل الفيلم، ولم تحذرهم الدراما من ما سينالهم من مخاطر بحياتهم ومستقبلهم ومستقبل أسرهم جميعا عندما تستقل مجموعات كبيرة مراكب غير مجهزة لتبحر في أعالي البحار وتحمل أضعاف طاقتها لتصل، بهم إلى الباخرة التي ستقلهم إلي بلد العجايب! والنتيجة الحتمية لتلك الرحلة هي الموت وأن من نجحوا هم الاستثناء وليس صحيحاً أن النجاح هو القاعدة والاستثناء هو الموت، فالعكس صحيح.
حاكموا من يقومون بغواية الشباب من سماسرة الموت وتجار البشر الذين ينزلون القرى والنجوع ليرغبوا شبابنا في ترك بلادهم والرضا بالمرمطة خارجها وعدم العمل داخل بلادهم لان العائد أقل، مستغلين جهلهم وحاجتهم من دون تبصيرهم بالمخاطر.
وحاكموا من بث الفكر الطبقي في المجتمع وجعل في نفوسهم الإحساس بالمهانة إن عملوا في المهن البسيطة، وجعلهم يقولون أذهب للعمل في الخارج أغسل أطباق وأكنس شوارع وأرفض العمل في بلدي في المهن نفسها-فابن الزبال لا يمكن يكون قاضيا- وذلك لأن المجتمع قلل من قيمة تلك المهن رغم أهميتها لأي مجتمع متحضر.
_____________________
*كاتبة وصحفية مصرية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
