سمير العركي يكتب: دوافع التدخل العسكري التركي في الموصل

سمير العركي*

 
قبل أكثر من عامين كان الغموض يلف الاجتياح الداعشي للموصل ونواحيها ، حيث انهار الجيش العراقي بصورة غير منطقية مخلياً المنطقة للتنظيم الأكثر تطرفاً والأشد عنفاً ، لكن أحداث الأشهر التالية حملت كثيرين على الإيمان بأننا إزاء واحدة من فصول لعبة الأمم ، من أجل إعادة هندسة المنطقة جغرافياً ومذهبياً وعرقياً ولم تكن داعش سوى بيدق على رقعة الشطرنج الواسعة .
الخلافات حول تحرير الموصل حتى وقت قريب كانت تدور حول مشاركة دور كل من القوات الكردية ” البيشمرجة ” والحشد الشعبي ” الشعبي ” في العمليات العسكرية ، ثم الحديث عن تقسيم إقليم نينوى في ظل تداخلات عرقية كبيرة تجعل من موضوع الفصل أمراً شديد الصعوية .
لكن المتغير الذي أعاد خلط الأوراق من جديد هو ما أعلنته تركيا على لسان رئيسها رجب طيب أردوغان عن استعدادها ” لخوض معركة الموصل على غرار معركة درع الفرات في سوريا ”
الحديث عن التدخل التركي أخذ في التزايد بعد تصريحات أردوغان والتي لا يمكن فصلها عن أبعادها التاريخية التي مازالت تشكل الرؤية الاستراتيجية لأنقرة تجاه الموصل .
الخلافات التاريخية حول الموصل :
إذا كان التدخل العسكري التركي في الشمال السوري والذي بدأ من مدينة جرابلس كان بسبب مواجهة الأخطار المتزايدة التي سببتها ميليشيا YPG التي تعتبرها أنقرة الذراع السوري لتنظيم PKK الإرهابي ، فإن شأن الموصل يختلف اختلافاً كبيراً .
فولاية الموصل – كما كانت تسمى زمن العثمانيين – كانت محل خلاف بين بريطانيا والجمهورية التركية التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية ، إذ أصرت تركيا على ضمها للجمهورية الوليدة خاصة وأن الاحتلال البريطاني لها كان في نوفمبر / تشرين الثاني 1918 أي بعد توقيع معاهدة مودروس في يونيو/ حزيران من العام ذاته مما اعتبرته تركيا خرقاً للمعاهدة خاصة أنها كانت تصر على أن الموصل لم تكن من جبهات القتال التي يحق لبريطانيا الاستيلاء عليها وفقاً للمعاهدة . ما أدى إلى إجراء استفتاء نظمته عصبة الأمم آنذاك بين سكان ” الولاية ” والذين اختاروا البقاء في العراق والذي قاد إلى توقيع معاهدة ثلاثية بين كل من  انكلترا وتركيا والعراق، التي رسمت عام 1926 الحدود الحالية بين العراق وتركيا ، لكنها قوبلت بمعارضة شديدة من جانب نواب البرلمان ما دفع بمصطفى كمال أتاتورك إلى طمأنتهم إلى استعادة الموصل “في الوقت المناسب”، “ريثما يأتي وقت نكون فيه اقوياء، ونضع يدنا عليها الموصل”.
الوعد الأتاتوركي لم يبرح مخيلة الساسة الأتراك على مدار عمر الجمهورية فالرئيس الراحل توروجوت أوزال وأثناء حرب الخليج الثانية صرح بأن  ” الشرق الاوسط بعد الازمة لن يبقى على ما هو عليه. ولا أقصد هنا جغرافية المنطقة”. في وقت كانت وسائل الإعلام التركية تتحدث عن “تركيَّة” لواء الموصل – كركوك .
بل إن ما كشف لاحقاً اتضح منه أن أوزال كان يخطط فعلا لتدخل عسكري لضم لواء الموصل – كركوك ، لكنه واجه معارضة من رئيس الوزراء آنذاك يلديريم آقبولوت، ورئيس الاركان نجيب طورومتاي لأسباب سياسية وفنية .
ويبدو أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش “الأب ” لم يكن لديه مانع من تلك الخطوة من جانب أنقرة

الرئيس الرحل سليمان ديميريل كان واضحاً في تعاطيه مع المسألة حيث صرح في مايو / آيار 1995 أن الموصل مازالت تابعة لتركيا ، تصريح ديميريل تزامن مع انسحاب القوات التركية من شمال العراق عقب انتهاء عملية ” فولاذ ” التي أطلقتها أنقرة لتعقب مقاتلي تنظيم حزب العمال الكردستاني
 الدوافع التركية للتدخل في الموصل :
إضافة إلى الأبعاد التاريخية السالفة لقضية الموصل فإن هناك من الأسباب التي تدفع تركيا إلى تطوير عملياتها العسكرية في شمال العراق :
1-  خشية تركيا من ترك عمليات تحرير الموصل رهينة تحركات قوات البيشمرجة أو الحشد الشعبي ، فالأولى أعلنتها بوضوح قبل ذلك أن حدود إقليم كردستان العراق يرسمه ” الدم ” ما يعني تمدد حدود الإقليم غرباً أملاً في الوصول إلى الحسكة بسوريا ما يعني قيام كيان كردي ضخم على الحدود التركية وهو ما ترفضه أنقرة بشدة ، أما وصول قوات الحشد الشعبي إلى الموصل فمعناه مزيد من الابتلاع الإيراني للعراق على حساب العمق الاستراتيجي لتركيا .
2-  القلق التركي المتزايد إزاء مستقبل التركمان في شمال العراق والذين يصل تعدادهم إلى حوالي المليون ، خاصة ونحن أمام عمليات تطهير عرقي حدثت في عدة مناطق قبل ذلك ،وهوما دفع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى إبداء “قلقه تجاه التركمان في قضاء تلعفر، غرب الموصل وما ستؤول اليه الامور خلال الايام المقبلة جراء عمليات تحرير المدينة”
3- الثروة النفطية الضخمة التي يتمتع بها الإقليم ، في ظل معاناة تركيا من قلة موارد الطاقة .
عوائق إتمام العملية العسكرية :
لكن بالرغم من كل ما سبق فإن العملية العسكرية التركية في الشمال العراقي لنتكون على غرار مثيلتها السورية إذ تكتنفها صعوبات وعوائق جمَّة تجعل أنقرة تفكر طويلاً قبل الإقدام على تلك الخطوة ، أبرزها ما يلي :
1- التواجد العسكري الأمريكي الروسي بالمنطقة ، يجعل من التحرك التركي المنفرد أمر شبه مستحيل ، إذ يستلزم ذلك تفاهمات عالية المستوى ، قد تضطر تركيا فيها إلى تقديم تنازلات في ملفات أخرى في المنطقة .
2- احتياج تركيا إلى تجهيزات عسكرية تختلف عما تم في جرابلس ونواحيها ، فالموصل مدينة كبيرة يقطنها حوالي ثلاثة ملايين نسمة تتمتع فيها داعش بتواجد قوي على عكس جرابلس ، لذا فمن المتوقع أن تمتد العمليات العسكرية لفترة من الزمن يكون فيها على تركيا تأمين خطوط الإمدادات والاستعداد لعمل عسكري طويل الأمد ، وليس كما حدث في عملية ” فولاذ ” عام 1995 والتي سارعت فيها أنقرة بإعلان انسحابها بصورة مفاجئة وسريعة .
3- اختلاف مسارح العمليات في المنطقتين ، ففي جرابلس وجدت القوات التركية ترحيباً من السكان المحليين ولم يكن الطريق شاقاً من غازي عنتاب إلى هناك ، على عكس الطريق إلى الموصل فالميليشيات المتواجدة في المنطقة لن تتنازل عن مكاسبها بسهولة ، فالبيشمرجة ستعتبر التدخل التركي خصماً من مكاسبها رغم العلاقات المتميزة التي تربط تركيا بكل من الزعيمين الكرديين مسعود برزاني وجلال طالباني ، كما أن تنظيم داعش لن يعلن استسلامه بسهولة في ظل الامكانيات الكبيرة المتوفرة له في الموصل ، ومن هنا فمن المتوقع أن تواجه القوات التركية أنماطاً من حروب العصابات من داعش والميليشيات الكردية والشيعية .
4- افتقاد تركيا إلى قوات حليفة محلية مدربة كقوات الجيش السوري الحر ، فالقوات الموجودة بالمنطقة والتي ترتبط بعلاقات وثيقة بأنقرة هي قوات الحشد “الوطني” بقيادة أثيل النجيفي الذي أكد قبل ذلك أن “دور الحشد الوطني مهم وأساسي في عملية تحرير الموصل، وليس للمعارك التي تجري خارج نطاق الموصل فحسب، كون عناصر هذه القوة هم أبناء الموصل”، مشددا على أن “لا احد يستطيع أن يستغني عن هذه القوة” ، إلا أنه ليس من المنتظر أن تكون هذه القوات على درجة كفاءة الجيش حر .
ومن هنا فإن القرار التركي بشأن التدخل العسكري في الموصل لن يكون سهلا ، إذ إن كل خطوة غير مدروسة بدقة لها كلفتها ، لكن التأخير والتردد أيضا لهما كلفتهما خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي يعاد ترتيب أوضاعها من جديد ، ومن المهم ألا تغيب تركيا – كقوى إقليمية رئيسة وكبرى – عن المشهد .

_____________________

*كاتب مصري
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان