طه خليفة يكتب: الحريري يبتلع الدواء المر !

طه خليفة*
![]() |
أيا تكن الانتقادات التي تُوجه لزعيم تيار المستقبل سعد الحريري بشأن دعمه للجنرال ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر ليكون رئيسا للبنان لإنقاذ هذا البلد من الفراغ ومن حالة الشلل المؤسسي التي يعيشها منذ عامين ونصف العام، فإن هذه الخطوة الصعبة تكرس الحريري رجل دولة حقيقي يتمتع بالمسؤولية الوطنية تجاه بلده ولو على حساب دوره السياسي وشعبيته وزعامته للطائفة السنية، كما يرتفع بما فعله فوق أي خصومات سياسية، أو الآم شخصية
لبنان بلد ضعيف يتشكل من موزاييك متشابك سهل التفكيك والتفتيت ويقف في مهب الريح في محيطه الجغرافي سواء كان هذا المحيط ملتهبا بالحروب والنزاعات كما هو اليوم، أو حتى هادئا، حيث لا يسلم من التلاعب والعبث بمصيره ومحاولة فرض الوصاية الخارجية عليه، كما تتنازعه الطائفية، والتجاذبات السياسية، والتحالفات المتغيرة، والتدخلات الخارجية، وارتباط زعاماته ولائيا بالخارج، ومالم يكن هناك عقلاء يدركون لحظة الخطر الفارقة ويقدمون التنازلات أمام العواصف العاتية فإنه يكون مهددا فعليا في وجوده، واللقاء الحريري العوني النادر يصب في هذا الإطار حتى لو كان زعيم تيار المستقبل هو أكثر من يقدمون التنازلات فيه.
تأييد الحريري لخصمه السياسي عون ليكون الرئيس المنتظر لم يكن مفاجئا، بل كان معروفا، وقد جرى الحديث عن تلك الخطوة قبل أيام من إعلانها، ماحدث يوم الخميس الماضي هو فقط تأكيد ما كان معلوما ومسربا، وهو الإقرار بمرارة الواقع وضرورة التعامل معه مهما كان طعمه غير مستساغ مثل الدواء شديد المرارة.
الطريق الوحيد
لو كان الحريري قد وجد طرقا أخرى لحسم موقع الرئاسة لمرشح غير عون لفعل، لكن كل الطرق كانت معقدة ومسدودة، وطريق عون هو الوحيد الذي يوجد فيه منفذ ضيق لمحاولة الحفاظ على لبنان الدولة والنظام وميثاق الطائف والعيش المشترك، كما يتوفر فيه الحد الأدنى من التوافق السياسي.
لبنان يتخبط، ويسير في نفق مظلم طويل في ظل الفراغ الرئاسي، وشلل الحكومة، وجمود البرلمان، دولة بلا مؤسسات فعالة، ووضع اقتصادي شديد التأزم، مشاكل بلا حلول حتى في موضوع صغير مثل النفايات، وإذا أعقب الفراغ الرئاسي فراغا برلمانيا بعد انتهاء فترة التمديد لمجلس النواب بعرقلة أحد الفرقاء إجراء الانتخابات فإن الفراغ سيتسع وستزداد خطورته، ولو أجريت الانتخابات النيابية في ظل عدم وجود الرئيس، فمن هو الذي سيقوم بالاستشارات النيابية لتكليف من يشكل حكومة جديدة، هذا الحق للرئيس فقط، وهنا سيتعثر تأليف حكومة، وسيفقد السنة موقعهم في السلطة، لينضموا إلى المسيحيين في فقدان موقعهم في الرئاسة، وتلك كارثة على بلد يكون بلا سلطة أو مؤسسات دستورية تحكمه.
سعد الحريري لم يعد ذلك الشاب الذي كان قليل الخبرة السياسية عندما تقلد زعامة تيار المستقبل بعد اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مارس 2005 وهى الجريمة المتهم فيها حزب الله من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فقد عركته السنوات وازداد خبرة وصار قائدا حقيقيا ومازال هو الأكثر موثوقية من الطائفة السنية مثلما كان والده، وهو ينظر لبعيد عندما يضع يده في يد عون.
حزب الله هو المستفيد
فالمستفيد الأوحد من حالة الفراغ هو حزب الله، فهذا الحزب المسلح لا تعنيه الدولة اللبنانية ولا المؤسسات المكتملة برئاساتها الثلاث، لأنه دولة فوق الدولة، له نظامه وقانونه وجغرافيته الخاصة، ومعه سلاحه الذي يفرض به نفسه على جميع الطوائف والمكونات السياسية، ولو انهار لبنان فإنه سيظل محافظا على مصادر قوته وسيتغول أكثر ليصير هو وحده الدولة، وسيتوسع في ممارسة التشبيح على اللبنانيين وبشكل أشد مما يفعله.
حزب الله ذهب يقاتل في سوريا، على غير إرادة الشعب اللبناني وكياناته السياسية والحزبية، وهذا خروج فاضح من حزب سياسي عسكري عن طبيعة وقانون ومنطق الدولة حيث لا ينتزع دور الدولة فقط بل يضرب كل قواعدها في الصميم، ويطعن التعايش الوطني المشترك عندما يشارك في حرب خارج الحدود والمفترض أنه قوة سياسية داخلية وقوة عسكرية يرضى بها اللبنانيون على مضض تحت عنوان المقاومة التي لم يعد لها دور ولا وظيفة ولا معنى، وهو في سوريا يقاتل إلى جانب نظام مستبد يقتل شعبه، وهذا النظام كان يحتل لبنان حتى طرد منه عقب اغتيال الحريري وهو متهم أيضا في هذه الجريمة البشعة، وعندما ينحاز لنظام دمشق ويخوضان القتال مع إيران وميليشياتها ضد القوى التي تحاربهم فإن البعد الطائفي لابد أن يكون حاضرا، وبالتالي كيف يتعامل ويتعايش حزب الله والطائفة الشيعية التي يرتهنها مع السنة في لبنان، ومع مختلف الطوائف وهو يفرض نفسه وصيا على الدولة وقراراتها ومصائر مواطنيها؟، أليست تلك أخطر وصفة لتعميق الكراهية والأحقاد التي لا تنتهي في بلد عاش حربا أهلية مدمرة، وهو مهدد في كل وقت بشبح تكرار تلك الحرب.
عقلنة الخصام
خطوة الحريري بتأييد عون هى محاولة من طرفين أساسيين في معادلة السياسة والحكم لعقلنة الانفلات وضبط الخصام السياسي لضرورات حماية لبنان الدولة والنظام والشعب، والتوافق على عدة نقاط من أبرزها أنهما لا يريدان للدولة والنظام أن يسقطا، وإعادة إطلاق عجلة المؤسسات والاقتصاد، وتحييد الدولة اللبنانية بالكامل عن الأزمة في سوريا كما قال الحريري الذي استنفد كل الخيارات بعد أن أخفق أي مرشح آخر في حشد الأصوات اللازمة للفوز بالرئاسة وتوجه حليفه سمير جعجع زعيم القوات اللبنانية ومرشح تيار المستقبل لدعم عون، وعدم قدرة سليمان فرنجية على حيازة دعم يمكنه من الفوز.
لا سليمان فرنجية، ولا سمير جعجع، ولا أمين الجميل، ولا الشخصيات الأخرى البارزة تملك رصيد عون، ولذلك وكما قلت فإنه يمثل الطريق الوحيد ذا الاتجاه الواحد الذي يحمل مخرجا لأزمة الرئاسة، وإذا كان هناك قلق من تقلباته ومزاجيته وتحالفه مع حزب الله وقربه من أخطر نظامين على لبنان والمنطقة: نظام الأسد في سوريا، والملالى في إيران فإن موقع المسؤولية والتزاماتها القانونية والدستورية والسياسية ودور الأطراف الدولية النافذة في لبنان ستمثل كوابح مهمة أمامه، بجانب رمزية زيارته للحريري في بيته والتفاهمات التي تمت بينهما والتي سيتم اعتمادها إقليميا ودوليا من عواصم القرار.
الثلاثي الجديد
الحريري يعترف بأنه يقدم على مخاطرة سياسية كبرى، لكنه كما قال لن يختبئ خلف إصبعه، هو الصعب الذي لابد أن يختاره مرة أخرى، والتضحيات التي لابد أن يقدمها كما فعل والده من أجل حماية لبنان وشعبه المهدد بحزب الله وإرهابه للجميع، وما لم يُحسم الوضع المؤسسي والدستوري وينتهي الفراغ فإن خطر حزب الله سيتفاقم خصوصا مع استعادة الأسد لقوته على الأرض بفضل قيادة روسيا للحرب وإنقاذه من السقوط وسعيها لثبيته على حساب دماء مئات الآلاف من الضحايا، وتشريد الملايين ودمار سوريا، انتصار الأسد سيزيد حزب الله توحشا على اللبنانيين لو ظل البلد فارغا من الرئاسة ومن الحكومة التمثيلية الحقيقية.
الثلاثي الجديد المتوقع : ميشال عون رئيسا، سعد الحريري رئيسا للحكومة، نبيه بري رئيسا للبرلمان، يمكن أن يضبط الأوضاع للمستوى الذي يحفظ لبنان بلدا وشعبا، ويجعل حزب الله يفكر كثيرا قبل أن يرتكب حماقات، ويواصل إرهاب السلاح.
______________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
