عبد الحافظ الصاوي يكتب: موازنة تونس تعكس أزمتها الاقتصادية

والتحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس فعلًا هو غياب الإرادة السياسية لتحقيق مشروع التنمية، فعلى الرغم من التداول السياسي هناك، والذي جنب البلاد تكرار تجارب باقي ثورات الربيع العربي، فإن النتائج على الصعيد الاقتصادي سلبية.. يتبع.

عبد الحافظ الصاوي*

الموازنة العامة تعكس الصورة الحقيقة لاقتصاد الدولة، من حيث حجم الانفاق العام على احتياجات المجتمع والارتقاء به، كما تبين طبيعة مصادر الإيراد، ومدى التوازن بين النفقات والإيرادات، ودور السياسات المالية للتعامل مع قضايا العجز والفائض، وكذلك العدالة الاجتماعية، كما توضح الموازنة السياسة الاقتصادية وتوجهات الدولة تجاه النشاط الاقتصادي.
وتعد تونس واحدة من دول الربيع العربي التي أتيحت لها ظروف أفضل من حيث الاستقرار السياسي والأمني، ولكنها بعد نحو 6 سنوات من الثورة – التي كانت شرارة ثورات الربيع العربي- لم تخرج من كبوتها الاقتصادية، حيث مازالت معدلات النمو دون المطلوب، كما يلاحظ انغماسها في الديون، وبقاء البطالة كما هي عند معدلات مرتفعة.
ويبقي الوضع الاقتصادي في تونس أحد التحديات الكبرى، فمنطلق الثورة كان اقتصاديًا بامتياز، وإن عكس جوانب إنسانية وسياسية كامنة لدى الشعب التونسي والشعوب العربية.
• موازنة الديون

أتت موازنة تونس لعام 2017، التي أقرتها الحكومة مؤخرًا بحجم نفقات يبلغ نحو 15 مليار دولار، وحجم إيرادات نحو 10 مليارات دولار، وتبلغ نسبة الزيادة في قيمة موازنة تونس لعام 2017 نحو 12% مقارنة بعام 2016. 
ولكن معدلات النمو المستهدف في مشروع الموازنة تقدر بـ 2.3%، وهي معدلات ضئيلة مقارنة بحجم البطالة الذي قدر بـ 15.6% في أغسطس/آب الماضي، وتقدر نسبة العجز بالموازنة لعام 2017 بنحو 5.5%.
كما يعكس اتجاه الحكومة التونسية للإفراط في الديون أحد سمات السياسة المالية الحالية، حيث تعتمد الموازنة على الاقتراض من الخارج بنحو 2.7 مليار دولار، وهو ما يزيد من أعباء الدين العام الذي قدرت نسبته بنحو 62% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبين احصاءات وزارة المالية التونسية أن الدين العام بلغ في يوليو 2016 نحو 24 مليار دولار، يشكل الدين الخارجي نسبة 64%، والدين المحلي 36%.
وتظهر بيانات المالية كذلك أن نسبة الدين العام إلى الناتج شهدت تزايدًا ملحوظًا على مدار السنوات الماضية، ففي عام 2011 بلغت هذه النسبة 44.6%، ووصلت في عام 2015 إلى 54.9%، وتعكس هذه الأرقام  أن الحكومة الحالية وما سبقها من حكومات ما بعد الثورة، تكرس بشكل كبير للاعتماد على الاقتراض، وهو ما سيجعل هذه النسبة تتفاقم وتشكل قضية كبرى على أجندة الاقتصاد التونسي خلال المرحلة المقبلة.
ويتضمن تقرير وزارة المالية التونسية عن أداء الاقتصاد في شهر أغسطس/آب عام 2016، مجموعة من المؤشرات السلبية التي من شأنها أن تبين أن مستهدفات الموازنة لعام 2017 لا تتناسب وطبيعة المشكلات الاقتصادية، ومن هذه المؤشرات السلبية تراجع معدل النمو للإنتاج الصناعي بنسبة – 0.3%، ووصول البطالة إلى 15.6%، واعتمدت الحكومة على اقتراض 1.5 مليار دولار من الخارج خلال الأشهرالماضية من عام 2016.
ولم تكن الاستثمارات الأجنبية بمنأى عن التأثيرات السلبية للمؤشرات الاقتصادية الأخرى، فقد تراجعت هذه الاستثمارات بنسبة 24%، سواء كانت استثمارات مباشرة أو غير مباشرة. وحسب الإحصاءات تتسم الاستثمارات المباشرة بتونس بالتركز في قطاع الطاقة الذي يستوعب حوالي 54%. إلا أن الشيء الإيجابي في هذا الأمر أن الصناعة تستحوذ على حصة لا بأس بها تصل إلى 34%.
والجدير بالذكر أن دول الخليج (السعودية، والإمارات، والكويت) كانت قد وعدت في نهاية عام 2014 ومع حلول الانتخابات الرئاسية التونسية، بأنها ستنفذ مشروعات بمدينة صناعية تجارية خدمية متكاملة تستغرق 10 سنوات، ولكن لم تدخل هذه المدينة حيز التنفيذ، على الرغم من مرور عامين من هذه الوعود.

كما أن مشروع الموازنة يركز بشكل رئيس على فرض المزيد من الضرائب، ويحد من زيادة الرواتب للعاملين بالحكومة على الرغم من تزايد معدلات التضخم ووصولها لنحو 4% في أغسطس/آب 2016.
ويتوقع أن تزداد معدلات التضخم خلال الفترة القادمة في تونس لأمرين، الأول تراجع النشاط الإنتاجي وبخاصة في الصناعات التحويلية، وكذلك انخفاض قيمة الدينار التونسي بسبب العجز في الموازين الخارجية لتونس، وأيضًا استمرار تراجع النشاط السياحي، فقد سجل سعر الدولار في أغسطس/آب 2016 نحو دينارين وعشري الدينار، في حين كان في ديسمبر/كانون الأول 2015 بنحو دينار وتسعة أعشار الدينار. ومع تطبيق تونس لأجندة صندوق النقد الدولي سوف يشهد الدينار مزيدا من الانخفاض خلال الفترة القادمة.
• إصلاحات بطيئة

يحتاج الاقتصاد التونسي إلى إجراءات تصحيحية تستطيع أن تصل لأداء تنموي، وليس مجرد الحديث عن أرقام تخص الجوانب النقدية والمالية، فتقرير البنك الدولي في عام 2014، والذي أتى تحت عنوان “الثورة غير المكتملة”، أشار إلى بطء عملية الإصلاح وانتشار الفساد، ووجود بيروقراطية معوقة لإنشاء المشروعات، وهو ما أطلق عليه الخبراء “دولة بن على لازالت تحكم”، ولم يتغير الوضع في تونس تجاه هذه المشكلات لذلك ستظل تعاني من مشكلاتها الاقتصادية بشكل حقيقي.
والتحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس فعلًا هو غياب الإرادة السياسية لتحقيق مشروع التنمية، فعلى الرغم من التداول السياسي هناك، والذي جنب البلاد تكرار تجارب باقي ثورات الربيع العربي، فإن النتائج على الصعيد الاقتصادي سلبية، وتتنافى مع مسلمات الواقع السياسي الذي من المفترض أن يمثل انطلاقة للتنمية.
لابد من عودة عمل قطاعي الصناعة والزراعة بشكل أفضل مما كان عليه قبل الثورة، لتنشيط الناتج المحلي وعودة التصدير، وكذلك عودة السياحة، مع الأخذ في الاعتبار أن التعويل على الخارج بشكل دائم في نهضة الاقتصاد التونسي سيكون شماعة لتعليق المسئولين فشلهم عليها، فثمة ضرورة للبحث عن مصادر أخرى للصادرات التونسية، وعدم تركيزه على دول الاتحاد الأوربي التي تعاني تراجع اقتصادياتها منذ عام 2010 بشكل كبير.

___________________

*خبير اقتصادي مصري
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان