عبير الفقيه تكتب: “الهالوين” عيد للقديسين في أجواء مرعبة

غير أنّ الأفكار حول عالم ما بعد الموت، التي تكوّنت لدى الذّاكرة الشعبيّة و تطوّرت عبر العصور مالت إلى صُور السّحرة والأشباح بكلّ ما تُثيره من رُعب.. يتبع.
عبير الفقيه*
![]() |
ككل سنة تشهد ليلة الحادي والثلاثين من أكتوبر/ تشرين الأول احتفالات دول غربية كثيرة بالهالوين أو عيد القديسين . ولعله من المهم التذكير بأن الااحتفال الذي أقيم في أيرلندا منذ قرون انتقل مع عادات المهاجرين الى أصقاع عديدة حيث اشتهر خصوصا في الولايات المتحدة وكندا، وبدرجة أقل في بريطانيا ومن هناك سارت به الركبان ليصبح أهم ظاهرة تجارية بعد اِحتفالات رأس السنة الميلادية بشخصية بابا نويل “جالب” الهدايا للصغار والكبار.
نظريّا، يتمثل الااحتفال في حفل عشاء تقيمه الأسرة على شرف من فقدوا من الأحبة خلال السنة، معتقدين أن أرواحهم تغادر القبور في هذه الليلة لتطوف بالبيوت التي استعدت لاستقبالهم والاِحتفاء بهم بأقنعة وإكسسوارات متنوعة وديكور يوحي بالعالم الآخر المجهول. غير أنّ الأفكار حول عالم ما بعد الموت، التي تكوّنت لدى الذاكرة الشعبية و تطوّرت عبر العصور مالت إلى صُور السحرة والأشباح بكلّ ما تُثيره من رُعب، ثمّ جاءت الأديان وعدّلت هذا التّصوّر بعوالم ملائكيّة تبعث على الطّمأنينة السرمدية جزاء الفعل الدّنيوي الحسن وعالم جهنّمي عقابا لمن أساء في حياته، لكن الصورة عادت من جديد للطبعة الأولى مع عيد القديسين.
واجتهد المجتمع الأمريكي كمثال للمجتمعات المُصدِرة لثقافة الخيال والعنف والدّم في صناعته السّنيمائيّة، فأوجد يوم الهالوين ومن احتفال روحي بذكرى الأموات إلى مناسبة للتّدافع نحو ترويج كل ما يمتّ بصلةٍ إلى الأقنعة والأزياء و الإكسسوارات التي من شأنها إثارة الرّعب والخوف في نفوس الآخرين. وتستند أساسا إلى ما خزّنته ذاكرة المحتفلين من صورٍ ولقطاتِ مُرعبة لتزيد عليها تفاصيل تشعر المشتركين في هذه الحفلات بواقعيّة الحدث. لذلك ترى أغلب المنصاعين لهذا النّمط الاِحتفالي بعيد القدّيسين سواء في أمريكا أو في المجتمعات المتأمركة يتفانون في اختيار الزّي و الدّيكور الأكثر دمويّة لبلوغ أعلى قدرٍ من إثارة الخوف والرّعب لدى الآخر. وفي تغييب تامّ للعقل تجد الآباء مثلا {بوصلة الحكمة عادة} يتدافعون لشراء أفظع المنتجات لـ”إسعاد” أطفالهم في هذه الليلة. وكلّما كانت الحفلات صاخبة كلّما كانت أنجح على مستوى تقييم المشاركين، ويتمّ تحقيق الصّخب والإثارة بمحاكاة فنون التّقتيل وإراقة الدّماء من على الشّاشة الصغيرة إلى أرض الواقع سواء في صالونات البيوت بالنسبة للحفلات العائلية وحلبات المطاعم أو حتّى السّاحات العامّة في حال الحفلات الشبابية المنظّمة.
هذه المحاكاة تخرج أحيانا من مرحلة التّنظير بمؤثّرات مزيّفة في شكل ألعاب إلى أحداث عنف حقيقيّة عندما يُغالي المحتفلون في تناول الكحول و كل ما يذهب العقل، باِعتبار المناسبات تُحفّز عادة على التّخلّص من القيود الأخلاقيّة وتدفع لارتكاب المحظور.
ربّما تُأخذ هذه الهستيريا مع عيد الأموات في المجتمعات الغربيّة عموما، وكل ما يتبعها من تطوير لتناول مفهوم الموت واستحضار للموت الدّامي {كتشويه للمفهوم الأصل} في هذه المناسبة الى هناء هذه المجتمعات بالعيش الكريم والأمان ونجاتها من الحروب في وقتٍ تتفنّن فيه شركاتها الهوليودية في إنتاج العنف والموت بكل تفاصيله على الشّاشات من جهة، ومؤسسات صناعاتها الحربيّة من جهة أخرى، في إنتاج آخر صيحات الأسلحة المنكّلة بالإنسان، فُرادى و جماعات حسب طلب المستهلك. و لعلّ طُغيان شخصيّة “الزّومبي” المُرعبة {الجثّة المتحرّكة} على اِحتفالات الهالوين مؤخّرا، في صورتها التّي قدّمتها السّينما الهوليوديّة، خير دليلٍ على الاِبتعاد بالصّورة البريئة للميت في ذاكرة المُحتفلين وما تحمله من شوق وحنين لغيابه إلى صورة الجثّة المتحرّكة التي تتقاطر دمًا و تتوعّد الأحياء بالموت بطرقٍ وحشيّة ومُرعبة.
و في الحقيقة مهما حاولنا التّهوين من حِدّة تصاعد مظاهر العنف والرّعب على اِحتفالات هذه المناسبة، إلّا أنّ اِندماج المُجتمعات في هذه الثّقافة و خضوعها إراديّا لسياسة صانعي الوعي العامّ يعكس توقا نفسيّا لجمهور سينما العُنف والرُّعب إلى المرور بثقافة الموت الدّامي من المجال الافتراضي على الشّاشة { بأبعادها الثلاثة على أقصى تقدير} إلى مجال محسوس يعيشه المُتحمّسون منهم واقعا بحواسهم الخمسة بماكياج ومؤثّرات مُزيّفة في اِحتفالات الهالوين وربّما حقيقةً مُكتملةً في حالات الجرائم الفعليّة.
العجيب أن نفس المشهد الاحتفالي لمناسبة الهالوين بنسخته الأمريكية اقتحم مجتمعاتنا العربيّة، أسوة بنمط التربية المستورد. وانساب الآباء يرضون أطفالهم متعلّلين بضغط إدارات المدارس الخاصة التي أصبحت تُدرج المناسبة في برنامجها السّنوي.
فـتراهم يكدحون ليل نهار ثمّ يُقدّمون فلذات أكبادهم على طبق من ذهب فريسة لنظام تربية لا يمُتّ للقيم العربية ولا للمحيط العامّ بصلة.
_____________________
*كاتبة تونسية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
