عبير الفقيه تكتب: “وضعيّة 22” .. هذا ما وصل إليه العالم

حتّى وإن سلّمنا بنظريّة المؤامرة، وقلنا إنّ القوى الكبرى تملك خريطة مستقبل هذه المعارك المفتوحة، فإنّ الأمر ليس بالقدرة الخارقة التي يتصوّرها البعض

عبير الفقيه*

   غالبا ما تواجه حركات التّرجمة من لغة إلى أخرى صعوبات على مستوى المفردات المحلّية والأساليب البلاغيّة التي تفقد روحها إن خرجت عن إطارها المكاني. و أقصى هذه الصّعوبات ما يتعلّق بالاِستعارات والمجاز. ولعلّنا كعرب لا يجوز لنا  الشكوى من هذه الظّاهرة باعتبار لغتنا “بحر في أحشائه الدّرّ كامنٌ”، صعُبَ التوصّل إلى صدفاته حتّى على غوّاصيه الأصليّين. عيب هذه اللّغة أنّ أهلها تهاونوا في تصدير دُررها إلى المجتمعات الأخرى حتى يقفوا على فتنة تعابيرها وبلاغتها، على عكس اللّغة الانجليزيّة المُتاحة لكلّ الرّاغبين في تعلّمها؛ إذ يكفي أن تتساءل عن معنى مصطلح “وضعيّة 22” مثلا، فتنهال عليك التّعريفات.

    ربّما توحي عبارة “وضعيّة-22” للقارئ كانطباع أوّل، بمعادلة رياضيّة غير أنّ الحقيقة تُطلعنا على أنّها مصطلح مُتداول، اِنطلق كعنوانٍ لكتاب الكاتب الأمريكي جوزيف هيلر “catch-22 “. ثمّ دخل رسميّا اللّغة الانجليزية عقب صدور الكتاب في 1961 ليعبّر مجازا عن كلّ وضعيّة لا يوجد لها حلّ.

وقد صُنّفت هذه الوضعيّة في باب ألغاز وورطات المنطق. باعتبار إمكانيّة وجود توصيفين منطقيّين لواقع واحد، و لكنّهما يتناقضان. فبطل الكتاب و هو طيّار في سلاح الجوّ الأمريكي خلال الحرب العالميّة الثّانية و اِسمه “يوساريان”، يتهرّب من مهمّته في الطّلعات الجوّية، متمارضا و مدّعيا الاِختلال العقلي ويستدلّ على ذلك بالقانون الدّاخلي للمؤسّسة الحربيّة الأمريكيّة ويقف على وضعية 22 التي تُقرّ بأن المختل عقليا لا يحقّ له الطيران، في حين أن رئيسه، الكابتن “كاثكارت” يُثبت أنّ مجرّد تساؤل “يوساريان” يعني سلامة عقله.

و يتواصل الجدال طوال الكتاب، كلّ يستند إلى سلامة منطقــه دون الوصول إلى حلّ. بعبارة واحدة متكوّنة من جزئيين و تُغني عن كلام طويل اِستطاع جوزيف هيلر أن يُحدث ضجّة أدبيّة في الستّينات وأن تُردّد المجتمعات الأنغلوسكسونية مصطلحه من بعده كلّما اِقتضت الوضعيّة ذلك، عن وعي أو عن غيره. ورغم أنّ استعمالات المصطلح الحاليّة اِبتعدت عن الأبعاد الفلسفيّة التي طرحها الكاتب، إلّا أنّها تُتداول بشدّة في السّياق السّياسي والاِجتماعي خصوصا عن كل مأزق لا يوحي بأيّ مؤشّرات اِنفراج.

   و لئن تخبّط الوضع السّياسي العالمي منذ الستّينات إلى اليوم وبلغ أزمات لاحت حينها بلا حلول، فإنّ الوضع الحالي بمعاركه المفتوحة على جبهات عديدة يبدو أكثر تعقيدا بكثير مما كان عليه. فهذه التّحولّات الكبرى التي تعصف بمنطقة بلدان ثورات الرّبيع العربي و حتى بعض الدّول المستقرّة نوعا ما، تُمثّل في كل زاوية منها “catch-22 “. كلّ طرف فيها يوجد لنفسه الأعذار حسب منطِقِـه، فبشّار الأسد يقتل شعبه حرقا و غرقا و جوعا مُعتبرا نفسه “رئيسا شرعيّا” للبلد. والشّعب السّوري لا ينفكّ يُشرعن حقّه في الحياة بدون الأسد الخارج على القانون، فيما تتخاصم القوى الدّوليّة و داعش بـ”منطق” التّحالفات على حقّها في التّفجير و التّهجير والاستيلاء على ثروات سوريا. وقد أثبت إخفاق كل تحليلات حاضر و مآلات الثّورة السّورية من قبل الخبراء منذ اِندلاعها أنّ الوضع مُعقّد جدّا ولا أمل في تبيّن ملامح مستقبله.

منطقة اللّاحلّ
   غير بعيد عن سوريا، يُمثّل الوضع في مصر خير تعبير عن مصطلح “catch-22 “. فالسّيسي، بطل القرارات المُتقلّبة، أوغل في خلط الأوراق بالشّكل الذي صعّب أيّ قراءة لمستقبل مِصر وأوصلها إلى منطقة اللّاحلّ؛ حتّى تحالفاته مع السّعوديّة و الإمارات قبل الأزمة الأخيرة لم تكن ضامِنة لرسم ملامح مصر المستقبل. فما بالنا الآن وهو يتودّد لإيران. بنفس المنطق (وليس تشاؤما)، يمكننا القول إنّه لا اليمن و لا ليبيا ولا حتى تونس توحي بحلّ واضح المعالم لأزماتها. وربّما اِستحضرت سؤالا متواترا في وسائل إعلامنا حين يتعلّق الأمر بتحسّس المشهد المستقبلي لهذه الدّول على شاكلة: “مِصر، إلى أين؟” فيأتي الجواب بعاميّة مصريّة مثلا على لسان أحد المصريّين: “مالهاش حلّ”، و بلسان روبرت فيسك أو أيّ متابع أنجليزي للشّأن العربي,”It s a catch-22 “
 

حتّى و إن سلّمنا بنظريّة المؤامرة وقلنا إنّ القوى الكبرى تملك خريطة مستقبل هذه المعارك المفتوحة، فإنّ الأمر ليس بالقدرة الخارقة التي يتصوّرها البعض. ويخطئ من يجزم أنّها تملك الحلّ الواضح للأزمة الحاليّة خصوصا في مصر و سوريا. فهذه القوى في حدّ ذاتها تعاني من اِضطرابات داخليّة عاصفة أثّرت على سلاسة تحكّمها في وُكلائها على الشّعوب المنتفضة. و الأمر بالتأكيد لا يتعلّق بمعطيات يُحرّكها منطق العلوم الصّحيحة حتّى تسير الأحداث كما ترسمها الولايات المتّحدة أو روسيا مثلا. وحتّى إن تحرّك العالم وفق خطوات واضحة مرسومة سلفا، فهو مُعرّض لمواجهة أزمات كبرى لا حلّ لها. و ربّما نستحضر في هذا المقام عهد حكم جورج بوش الاِبن والوضعية الكارثيّة التي أوصلتنا إليها قراراته المجنونة. فمبالنا ونحن اليوم محكومون من طرف مجانين يتحرّكون خارج حدود المنطق السّياسي و الأخلاقي تماما (ولا يخفون ذلك).
  يبدو أنّ جُرعة الجنون السّياسي لم تكف المجتمع الأمريكي المولع بثقافة الرّعب حتّى يتوّجوا دونالد ترمب لقيادة أمريكا و العالم لنصل فعليّا لوضعيّة-22 لا أمل في الخروج منها.
___________________

*كاتبة تونسية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان