د.عبد التواب بركات يكتب: الجنرال حضر عفريت السكر والجيش يعجز

رئيس الحكومة أعلن عن استيراد كميات من السكر بمساعدة القوات المسلحة أيضا، وكالعادة عجزت القوات المسلحة عن الاستيراد وخذل الجيش رئيس الوزراء كما خذلت وزير التموين
![]() |
د. عبد التواب بركات*
دخلت أزمة السكر في مصر مرحلة جديدة من التعقيد بمداهمة القوات الأمنية مصانع الحلويات والبسكويت والعصائر والمشروبات الغازية والمخابز وغلقها تماما وتوقيفها عن الانتاج ومصادرة مخزونات السكر الخام، المستخدم في مدخلات الإنتاج والاستيلاء عليه وبيعة للجمهور جبرا، بالرغم من أنه غير معبأ وغير معد للاتجار كما لا يوجد قانون يقر هذه الاجراءات.
وتجاوزت الأزمة مرحلة ارتفاع الأسعار ثم اختفائه من محال البقالة التموينية والسوبر ماركت وسخط الغلابة إلى غضب رجال الأعمال والمستثمرين نتيجة مداهمة قوات الشرطة لشركاتهم، العالمية والمحلية، مثل بيبسيكو، واستيا، واديتا، رغم أن أصحابها كانوا داعمين للجنرال السيسي.
الشركة الأخيرة، وهي أكبر شركة في مصر والشرق الأوسط في مجال صناعة الأغذية الخفيفة، والتي يرأس ادارتها رجل الأعمال المقرب من السلطة، هاني برزي، داهمتها الشرطة وتحفظت على 2000 طن من السكر، ما أدى إلى تراجع قيمة أسهم الشركة في سوق الأوراق المالية بنسبة 6%. وبالرغم من أن الكمية المصادرة صغيرة، لكن قوات الأمن أغلقت المصانع ما دفع أصحابها للتهديد بالاستغناء عن العمالة والتصفية والخروج من السوق المصري.
سياسة مداهمة المصانع التي تفتق عنها ذهن النظام المأزوم ومصادرة عدة آلاف من أطنان السكر لن تحل الأزمة، ولن تخفض الأسعار في دولة بحجم مصر تعدادها 90 مليونا ويستهلكون السكر بمعدل 270 ألف طن في الشهر الواحد.
الوشنطن بوست تسخر من اعتبار حيازة السكر جريمة وسردت حكم محكمة بمعاقبة رئيس مجمع استهلاكي بالحبس 5 سنوات، وغرامة 100 ألف جنيه وكفالة مماثلة، ومصادرة 51 كيلو سكر، كانت بحيازته وامتنع عن بيعها، معتبرة ذلك رسالة مرعبة للمستثمرين المحتملين خاصة الأجانب منهم.
صحيفة لاكروا الفرنسية وهي تظهر صورة مواطنين مصريين أمام محل سلع تموينية كتبت تعليق “لا يتعلق الأمر، هنا، بانتخابات، بل يتعلق، تحديدا، بأناس يأملون في الحصول على كيس صغير من السكر، الأمر مذل!” وذكرت أن أزمة السكر فضحت هشاشة الاقتصاد المصري وأن “المصريين على حافة الانفجار، وفي الأسبوع الماضي أشعل مواطن النار في جسده، أمام ناد للقوات المسلحة بالإسكندرية، بسبب ظروفه الحياتية القاسية”
النظام صنع الأزمة
بمجرد توليه الرئاسة منتصف 2014، عمد الجنرال السيسي إلى هدم منظومة السلع التموينية العينية وتحرير سعرها بهدف تخفيض موازنة الدعم ليتوافق مبدئيا مع شروط صندوق النقد الدولي كي يفوز بقروض الصندوق. هذه المنظومة كانت توفر لكل مواطن 2 كيلو سكر شهريا، بسعر 1.25 جنيه فقط، بحيث تحصل الأسرة المكونة من خمسة أفراد على 10 كيلو سكر تكفيها طوال الشهر، لا تزيد كلفتها عن 12.5 جنيه وهو مبلغ يقل عن ثمن كيلو واحد الآن، وهي نفس الكمية التي ألقي القبض بسببها على صاحب مقهى بالقاهرة وتغريمه ألف جنيه!
المنظومة كانت تضمن بناء مخزون استراتيجي من الانتاج المحلي البالغ مليونين و500 ألف طن من شركات القطاع الأعمال العام، يكفي استهلاك البطاقات التموينية طوال العام والذي يبلغ مليونا و400 ألف طن، ويعزز توازن الأسعار في السوق الحر بمليون طن إضافية، فلم يتجاوز السعر قبل انقلاب يوليو مبلغ 3 جنيهات ونصف. ويتبقى احتياجات مصانع الأغذية والحلويات والتي يتم تأمينها من مصانع القطاع الخاص بحدود نصف مليون طن، ثم تنتهي الفجوة باستيراد ربع مليون طن من السوق الدولية.
هذه السياسة رفض الدكتور محمد مرسي المساس بها في سنة حكمه، للمحافظة على مخزونات السلع وتوازن الأسعار وتحقيق العدالة الاجتماعية، شهد بذلك نائب رئيس هيئة السلع التموينية في الرابع من يوليو تموز 2013، اليوم التالي للانقلاب العسكري، ليكشف عن أن المخزون الاستراتيجي من السكر يكفي الاستهلاك المحلي لمدة ستة أشهر كاملة، ليبدأ في نهايتها موسم إنتاج السكر المحلي الجديد في يناير. هذه الحقيقة عبر عنها “سائق التوكتوك” بشجاعة وفصاحة حين قال “قبل ما يحصل انتخاب لرئيس الجمهورية كان عندنا سكر مكفينا، ورز بنصدره، راح فين؟!” ويبدو أن هذه السياسة هي نفسها التي كانت سببا في رفض الصندوق إقراضه 5 مليار دولار في الوقت الذي سيقرض الجنرال السيسي 12 مليار!
فساد سياسي حاضر
في واحدة من الجرائم السياسية الصارخة، تواطؤ وزير التموين المقال، خالد حنفي، مع رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في استيراد السكر الرخيص من السوق الدولية العام الماضي، ثم توريده مباشرة لبقالي التموين ومنافذ التوزيع التابعة للوزارة بضعف السعر العالمي، بعلم مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية ليحقق رئيس اتحاد الغرف أرباحا طائلة على حساب المواطن الفقير الذي لم يستفد من رفاهية الأسعار العالمية. في نفس الوقت أعاد حنفي تسعير السكر المحلي ليظل أعلى بمقدار جنيه للكيلو عن اسعار المستورد، ما كبد شركات السكر الحكومية خسائر طائلة بداية العام بسبب ركود السكر في مخازنها، ليصب ذلك في خطة تدمير شركات القطاع العام.
وفي قضية فساد ثانية منتصف هذا العام ومع ارتفاع الأسعار العالمية للسكر، مكن حنفي مرة أخرى شركتي النيل التي يملكها رجل الأعمال نجيب ساويرس وصافولا السعودية المملوكة لرجل الأعمال الوليد بن طلال، المقربين من الجنرال السيسي، مكنهما من الاستيلاء على مخزون السكر الراكد لدى الشركات الحكومية بسعر منخفض ليعيدا تصديره بضعف سعره المحلي. هذا الفساد كان سببا في تخريب المخزون الاستراتيجي للدولة ومضاعفة الأسعار وزيادة معاناة المواطن الفقير وأصحاب المقاهي ومصانع الحلويات، وفوت على مصانع السكر فرصة جني الأرباح لتعويض جزء من خسائرها التي تكبدتها بسبب التواطئ مع رئيس اتحاد الغرف التجارية، كل ذلك في ظل غياب المحاسبة التي لم تطل وزير التموين أو رئيس الوزراء حتى الآن بل وتجعل من السيسي شريك أصيل في الجريمة.
استدعاء الجيش
استغاث وزير التموين بجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة لاستيراد 420 ألف طن سكر بالإسناد المباشر في خطوة جديدة لعسكرة وزارة التموين، ورغم ذلك عجز الجيش عن حل الأزمة، وطالما فشل اللواء مصلحي، وزير التموين، في حل أزمة السكر وهو رئيس هيئة إمداد وتموين القوات المسلحة سابقا، فلن ينجح تلاميذه في حلها، فهذا الشبل من ذاك الأسد.
وبالرغم من أن الوزير رفع سعر السكر 1000 جنيه للطن مسبقا، ليحقق مزيدا من الأرباح للمؤسسة العسكرية على حساب الغلابة كما حدث في أزمة لبن الأطفال، بالرغم من ذلك يدعي اللواء حمدي بخيت، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان، أن القوات المسلحة سوف تتدخل لحل أزمة السكر لوجه الله وحبا في الوطن، فقال “القوات المسلحة دائما تحل الأزمات داخل الشارع المصري، سواء حقيقية أو مفتعلة، لأنها مؤسسة شريفة لا يوجد بها أي فساد، وإن القوات المسلحة تتعامل مع مفتعلي الأزمات على إنهم تُجار وطنيين” ليَثبت أن الجيش يتاجر بقوت الشعب.
رئيس الحكومة بدوره أعلن عن استيراد كميات من السكر بلغ مجموعها 820 ألف طن بمساعدة القوات المسلحة أيضا، وكالعادة عجزت القوات المسلحة عن الاستيراد وخذل الجيش رئيس الوزراء كما خذلت وزير التموين.
الجنرال السيسي، رأس النظام، أمر الجيش بالتدخل لإطفاء نار الأسعار المشتعلة، ولكن الجيش خذله للمرة الخامسة، ورغم امتلاك الجيش لموارد الدولار اللازمة للاستيراد، لكنه لا يملك موارد السكر وليس لديه دينامية المناورة في السوق الدولية لاستيراده كما فعل في أزمة لبن الأطفال.
ورغم إقرار البنك الدولي بأهمية الدعم التمويني الذي يرفع 22% من المصريين فوق خط الفقر ويحمي 8% من السقوط في براثن الفقر المدقع، فقر الغذاء، رغم ذلك أقدم السيسي على إلغائه، فزادت نسبة الفقر من 26.3% عام 2013 إلى 27.8% ، بحسب احصائيات جهاز الإحصاء الحكومي، وتآكلت الطبقة الوسطى وتمزقت شبكة الأمان الاجتماعي، واكتفى السيسي بدعم مالي قدره 15 جنيها للفرد، كانت توازي دولارين في حينه، انخفضت إلى دولار واحد يكفي بالكاد للحصول على كيلو سكر واحد حال وجد!
المؤكد أن أزمة السكر سوف تستمر حتى نهاية يناير المقبل، موسم الانتاج الجديد في مصر، ولن يستطيع الجيش الذي يملك موارد الدولار أن يستورد السكر من السوق الدولية بسبب نقص مخزوناته لدى الدول المصدرة. والنظام لا يملك حيلة لحل الأزمة ويكتفي بإلقاء اللوم على الشعب المكتوي بالأسعار وعجز السلع ليقول لهم “أقعد اتفرج وأقول يا خساره، كل أملنا شوية السكر وشوية الرز، يا رب تستحملوا معايا” وسيظل النظام يُمني المصريين بوعود الاستيراد التي لا تتحقق في الواقع، ولكن يبقى السؤال المهم، هل يصبر المصريون على الجنرال، أم ينفد صبرهم لينفجروا في ثورة يتنادى لها الغلابة في 11/11؟! صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقول إن نقص السكر في مصر زاد وتيرة الغضب الشعبي، الذي أصبح على وشك الانفجار من طريقة إدارة السيسي للاقتصاد، الذي يهوي في سقوط حر والمصريون على وشك الانفجار واحتمال تكرار انتفاضة الخبز عام 1977.
____________________
*أكاديمي ومستشار وزير التموين سابقاً
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
