طه خليفة يكتب: أمريكا مازالت الأكثر تأثيرا ونفوذا في العالم

الرهان على بدء خفوت وهج أمريكا كقوة عظمى خلال السنوات المتبقية على الوصول لمنتصف القرن الحالي مشكوك فيه، والرهان على الصعود الروسي لتشكيل ثنائية قطبية في أجل قصير مازال محل نظر

*طه خليفة
مشهد الانتخابات الرئاسية في أمريكا عندما دخلت مرحلتها الأخيرة الجادة والحاسمة، ثم مشهد فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب المثير للجدل والقلق في بلاده وفي الخارج، وردود الأفعال العالمية على هذا الفوز، والتي لم تتوقف أو تهدأ إلى الآن، يؤكد مرة أخرى حقيقة أن أمريكا ما زالت وحدها القوة العظمى في العالم، وأن القوى الأخرى الصاعدة لم تصل بعد لمرحلة التكافؤ أو الندية معها، لا الاتحاد الأوربي بكل دوله الـ 28، ولا روسيا، ولا الصين، ولا الهند، ولا أي كيانات جغرافية سياسية أو اقتصادية هنا أو هناك.

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 فإن العالم صار فيه قطب واحد وهو أمريكا، ورغم محاولات روسيا في عهد بوتين لاستعادة القطبية القديمة، إلا أنها لم تصل بعد لما تريد حتى لو كانت حاصرت أوكرانيا ونفذت ما أرادت في بلد تابع لحلف الناتو، ولم يستطع الغرب دحرها، وحتى لو كانت واصلت استغلال تردد وضعف أوباما وإحجامه عن اتخاذ قرارت جريئة في سوريا لتبسط هى نفوذها في هذا البلد، وتصير المتحكم فيه حربا أو سلما، وتهمش واشنطن وتجبرها على أن تكون تابعا أو مستسلما لمواقفها، فإنه مع ذلك ما زالت هناك مسافة زمنية حتى تصل روسيا إلى التكافؤ مع أمريكا، ويكون القرار الدولي رهنا بتوافق العاصمتين، أو تنشأ حرب باردة مجددا، ويعود العالم لانقسامه مرة أخرى بين معسكر أمريكي ومعسكر روسي، وإن كان ليس على خلفية أيدلوجية رأسمالية أو شيوعية، بل على خلفية تعتمد على المصالح، هذا كله إذا افترضنا أن الثنائية القطبية الكلاسيكية يمكن عودتها، وليس أن يكون هناك عالم متعدد الأقطاب.

لا شيء
ماذا يمثل استحقاق الانتخابات في الكيانات والبلدان التي ذكرناها سابقا على مستوى العالم، مقارنة بالاهتمام الواسع والمتابعة المتواصلة للانتخابات في الولايات المتحدة؟.

 ليست هناك مقارنة، رغم وجود ديمقراطيات حقيقية فيها مثل بلدان الاتحاد الأوربي والهند – روسيا ديمقراطيتها شكلية، والصين لا تعرف الديمقراطية من الأصل – لكن نتائج الانتخابات لديها لا تؤثر بشكل واضح في الأوضاع السياسية والاستراتيجية على الكوكب، ولا تهز أسواق المال والبورصات العالمية، كما تفعله نتائج الانتخابات الأمريكية.
الدول والشعوب في مختلف القارات كانت تتابع السباق بين هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي وبين ترامب وكأنها تجري داخل كل بلد، لكن دون تصويت في صناديق، إنما التصويت في الحوارات والمناقشات وفي وسائل الإعلام وأحاديث السياسة وفي طرح السؤال الدائم من يمكن أن يفوز، فالحسابات تتغير مع صعود هذا، وإخفاق ذاك.

 وكم حصلت خلافات في المواقف تجاه المرشحين في عواصم العالم رغم بعد المسافات بين من يختلفون هنا أو هناك على متنافسين غرباء عنهم لا ينتمون إليهم، وهذا يعني تغلغل النفوذ والتأثير الأمريكي في مناطق واسعة من الكرة الأرضية، وكأن أمريكا هى عاصمة العالم بينما دوله مدن تابعة لهذه العاصمة، أو على الأقل عدد كبير من الدول تجد نفسها مرتبطة بحركة الداخل الأمريكي وسياساته وإفرازاته، وإلا بماذا يتم تفسير هذا الانزعاج غير المسبوق من ترامب مرشحا ثم رئيسا منتخبا؟

الانقسام الشعبي
 وإذا كان المزاج العالمي قد اتجه ناحية هيلاري، ولم يظهر أن هناك انقساما حادا تجاه المرشحين، فإن النتائج على الأرض الأمريكية أبرزت الانقسام الشعبي، وهو لم يكن منظورا للخارج خلال فترة الدعاية وحتى في خضم سخونة الحملات وتبادل الاتهامات العنيفة بين الطرفين وذلك بسبب النتائج المتتالية لمراكز استطلاعات قياس الرأي العام وكذلك المراكز التابعة للصحف الكبرى وكانت كلها تصب في صالح هيلاري وتمنحها نقاطا متقدمة على ترامب بشكل رسخ القناعة بأنها ضمنت الفوز مسبقا، ثم تكشف نتائج التصويت الشعبي وجود انقسام فعلي، وتكشف نتائج المجمع الانتخابي أن مراكز الاستطلاعات ووسائل الإعلام كانت تعمل في واد آخر، وأن الهزيمة لم تكن لـ هيلاري وحدها، إنما كانت الهزيمة قاسية لهذه المراكز وللصحف والقنوات، وهذه قضية مهمة ينبغي لهم دراستها جيدا لفهم كيف هوت المنظومة الإعلامية في تلك السقطة ؟، وهل مارست التضليل عمدا كرها في ترامب، أم هى كانت بعيدة عن واقع الشارع، والمزاج العام للجمهور، ووقعت في شرك التسرع وافتقدت للمنهجية؟

الصدمة في خسارة هيلاري مفهومة، فهى حظيت بقبول شعبي وحكومي في كثير من دول العالم باستثناء عدد محدود من الحكومات الاستبدادية والأحزاب اليمينية المتطرفة في أوربا حيث وجد هؤلاء في ترامب نموذجا شبيها بهم وقريبا منهم، أو كأنه القائد الجديد الذي كانوا ينتظرونه، وقد بات اليوم المرشد السياسي والروحي لهم، ومنح فوزه شعبويين وعنصريين ودعاة كراهية آخرين الأمل في تكرار تجربته أبرزهم زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبان التي ترى أنها تقترب من اقتناص الرئاسة في انتخابات 2017، وهناك بالفعل قلق سياسي من أن تحقق مفاجأة وتصبح ترامب فرنسا.

الأقل سوءًا
الرغبة الخارجية في فوز هيلاري لم تكن لأنها مرشحة غير مسبوقة تمتلك كاريزما ورؤية جديدة لبلدها وللعالم، إنما لأنها أقل سوء من ترامب الذي جاء من عالم الأعمال والتجارة والصفقات، وليس من عالم السياسة التقليدي، وانتهج سبيل الوعيد والتهديد للأقليات وللعالم وبالأخص حلفاء أمريكا في أوربا واليابان والخليج.

وكان مدهشا أن يكون مشجعا وودودا مع من يُفترض أنهم أعداء أو خصوم بلاده أو بينهم وبين واشنطن مسافة في المواقف والعلاقات مثل روسيا ونظام الأسد، وقد بدا مرشحا منفلتا ومقلقا ومخيفا خصوصا عندما توضع بين يدي قراراته أدوات القوة الرهيبة التي تتوفر للولايات المتحدة ويكون قادرا على تفعيلها واستخدامها.
لكن في أمريكا هناك الرئيس المرشح، وهناك الرئيس المنتخب، وغالبا يكون الوضع مختلفا عندما يدخل الرئيس المنتخب البيت الأبيض فعليا ويبدأ ممارسة مهامه وتوضع أمامه الملفات المختلفة بكل تفاصيلها وتعقيداتها ويدرس القرارات بكل تداعياتها ونتائجها مع المؤسسات ومراكز صناعة القرار. وترامب نفسه الجامح خلال فترة الدعاية بدأ يتغير عندما أصبح رئيسا منتخبا ودخل قفص المسؤولية الفعلية، لكن مع ذلك لا شيء مضمون بالكامل.
مجمل القول إن الرهان على بدء خفوت وهج أمريكا كقوة عظمى خلال السنوات المتبقية على الوصول لمنتصف القرن الحالي مشكوك فيه، والرهان على الصعود الروسي لتشكيل ثنائية قطبية في أجل قصير ما زال محل نظر، والرهان على عالم متعدد القطبيات ليس قريبا، فعلى الأقل وخلال عقود قادمة ستظل أمريكا تتمتع بالنفوذ والتأثير والهيمنة في العالم.

__________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان