عبد القادر عبد اللي يكتب: تركيا وأوروبا ..ابتزاز متبادل

عبد القادر عبد اللي*
![]() |
بالتزامن مع التحضير لاجتماع البرلمان الأوربي الذي سيصوت على تعليق المباحثات مع تركيا حول انضمامها إلى الاتحاد، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن “انضمام تركيا إلى مجموعة شنغهاي سيعطيها راحة أكبر بالحركة أكثر من عضويتها في الاتحاد الأوربي، خاصة وأن هذا الاتحاد على عتبة التفكك”. وقد فتح هذا التصريح المجال لنقاشات معمقة حول العلاقة التركية ليس مع الاتحاد الأوروبي فقط، بل مع حلف شمال الأطلسي أيضاً.
من غير الممكن حتى على صعيد أنصار حزب العدالة والتنمية التخلي عن المكاسب التي حظيت تركيا بها من خلال عضويتها في المؤسسات الأوربية، وأهمها على الصعيد الاقتصادي الاتحاد الجمركي، وعلى الصعيد الحقوقي محكمة حقوق الإنسان الأوربية. وهذا ما أشارت إليه كثير من استطلاعات الرأي في تركيا. فهل هناك إمكانية تسيير العلاقة مع مجموعة شنغهاي والاتحاد الأوربي في آن واحد؟
ثمة تناقض قانوني في تسيير العلاقتين معاً تتعلق بالتعاون العسكري. فهنالك مادة حول الدفاع المشترك بين أعضاء مجموعة شنغهاي وإن كانت هذه المادة ليست ذات فاعلية، ولم يطبق منها سوى مناورات لمرة واحدة بين الدول الأعضاء، ولكن كيف ستكون الدولة عضواً في مجموعتي تعاون عسكري متناقضتين؟ ولذلك هرع سكرتير عام حلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ إلى تركيا، وأجرى سلسلة مباحثات على عجل، وأدلى بتصريحات مهمة على هذا الصعيد. ومن هذه التصريحات: “إذا انفصلت تركيا عن الناتو فستحرم من ميزة الدفاع المشترك”. كما نقل عن أردوغان: “لقد أبدى ارتباطه القوي بحلف شمال الأطلسي”، وقال أيضاً: “لا يمكن لتركيا أن تقدم على خطوة تضعف المادة الخامسة من نظام الحلف” والمادة الخامسة هي التي تنص على اعتبار الاعتداء على عضو من أعضاء الحلف هو اعتداء على بقية الأعضاء.
بمعنى آخر، إن انضمام تركيا إلى مجموعة شنغهاي المرحب به جداً من قبل الدولتين الرئيستين في المجموعة روسيا والصين، وقد عرض عليها فوراً لتكون رئيسة مجموعة الطاقة لعام 2017 من خارج المجموعة، سيفرض عليها التخلي عن حلف شمال الأطلسي، وحتى الاتحاد الأوربي لأنه سيحول دون عضوية تركيا في منظمة الأمن والتعاون الأوربية، فهل هذا ممكن لتركيا؟
لقد طلبت تركيا شراء صواريخ الدفاع الجوي إس 400 من روسيا، وسارعت روسيا للموافقة، ولكن هذه الصفقة أيضاً ستؤثر بالعلاقة بين تركيا والناتو، فبحسب تصريح السكرتير العام لهذا الحلف: “المجموعات الفنية التي تعمل على الأسلحة يجب أن تكون منسجمة بين دول الحلف كلها”. بمعنى آخر، حاول أن يضع عراقيل أمام تركيا لشراء هذه المنظومة الدفاعية لأن الفنيين العسكريين الأتراك فقط سيتدربون عليها، وهي غير موجودة لدى أي عضو آخر من أعضاء الناتو.
ولكن تركيا إثر إسقاط الطائرة الروسية التي قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، لم تحظ بميزة الدفاع المشترك التي تحدث عنها الأمين العام للحلف. وحتى إن باراك أوباما قال: “هذه قضية خاصة بين تركيا وروسيا”، وليذهب أبعد من هذا عندما انتهت مدة وضع صواريخ باتريوت جنوب تركيا، لم يمدد وجودها الحلف، وسحبها في أوج الأزمة الروسية التركية، فأين هذا الدفاع المشترك الذي تحدَّث عنه السكرتير العام؟
وعلى صعيد الاتحاد الأوربي أعلنت المستشارة الألمانية ميركل بأنها لا تؤيد تعليق مباحثات الاتحاد الأوربي مع تركيا. وجاء تصريح سفير تركيا في الاتحاد الأوربي مهادناً: “مدوا لنا يدكم”، وهو يطالب الاتحاد الأوربي بأن يقدم بادرة حسن نية تجاه تركيا.
القرار النهائي سيكون للقمة الأوربية، وليس لقرار البرلمان “قيمة فعلية” كما قال أردوغان تماماً.
يفهم من التصريحات التركية والأوربية أن تركيا بحاجة الغرب، والغرب بحاجة تركيا. فالموقع الجغرافي لتركيا، والعلاقات الطويلة المؤسساتية الراسخة مع الناتو أو مجلس الأمن والتعاون الأوربي تمنح تركيا أولوية لا يمكن أن تعوضها قواعد صغيرة في المناطق الكردية شمال سورية أو العراق…
مازال البديل لتركيا في الناتو ومنظمة الامن والتعاون الأوربي غير متاح. وهذا ما تدركه تركيا جيداً، وهي في الوقت نفسه تغضب من التحالفات الأوربية والأمريكية الجديدة في المنطقة مع حزب العمال الكردستاني والمنظمات الشيعية المتطرفة وحتى مع إيران. وقد حصلت القوات الأمنية التركية على أسلحة غربية ألمانية وأمريكية بين أيدي حزب العمال الكردستاني يقاتل بها الجيش التركي الذي تعتبره ألمانيا والولايات المتحدة جيشاً حليفاً، وقد أعلن أردوغان في سياق تصريحه حول الانضمام على منظمة شنغهاي: “لدينا الأرقام المتسلسلة لهذه الأسلحة، ومستعدون لعرضها على من يريد”…
تشير التصريحات الصادرة عن الطرفين -تركيا والغرب- بأن أحدهما لا يستطيع التخلي عن الآخر حالياً، ولكن الولايات المتحدة والدول الأوربية لم تعتد على تركيا التي تقول: “لا”، وتراعي مصالحها الخاصة، فهي تريد تركيا التي تقول دائماً: “نعم”، وتنفذ الأوامر الصادرة عن البيت الأبيض والبنتاغون. ولكن هذه الأوامر أصبحت أكثر من أن تطاق بالنسبة إلى تركيا، وخاصة بعد عودة حزب العمال الكردستاني إلى الكفاح المسلح، وإمداد الولايات المتحدة وألمانيا لهذا الحزب بالسلاح على الرغم من اعتبارهما له منظمة إرهابية.
هناك وضع ملتبس بالعلاقة بين تركيا والغرب، ولابد من وضع الأمور في نصابها، ولعل التهديدات التركية بالانسحاب، تشبه دعم الأوربيين والأمريكان حزب العمال الكردستاني، فكل منهما يلعب ورقته الخاصة، ولكن بالنتيجة فهذه التصرفات والتصريحات تهدف إلى تحسين الوضع التفاوضي بين الطرفين.
___________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
