سمير العركي يكتب: الإخوان المسلمون وحديث المصالحة المحرم

سمير العركي*
![]() |
عاصفة شديدة – لم تهدأ حتى كتابة هذه السطور – أثارتها تصريحات نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ إبراهيم منير ، في موقع عربي 21 حول التصالح مع سلطة الحكم في مصر .
فمنير وفي معرض رده عن موقف الإخوان من فكرة المصالحة ، وهل طرأ عليها تغيير أم لا تزال كما هي منذ يوليو 2013 ، أجاب بأن الإخوان جادون شريطة أن يأتي من أسماهم ” حكماء شعبنا أو من حكماء الدنيا ” بصورة واضحة عن المصالحة ” التي يعلقها البعض في رقبة الجماعة ورقاب الفصائل الشريفة المعارضة للانقلاب التي تحقق السلم والأمن بكل الأمة المصرية، دون مداهنة أو خداع أو كذب على الناس.. وعندها تكون ردود الفعل”.
إجابة نائب المرشد الهادئة فهمها كثيرون ، بأنها موافقة صريحة على مسار المصالحة ، مع أن القوم بدوا وكأنهم في احتياج إلى من يفتح الباب ليدخلوا وراءه، لكن في ظل أوضاع داخلية ملتهبة، وعلى خلفية صراع على قمة الجماعة لم يحسم حتى الآن كان من الطبيعي أن تشتعل نيران التصريحات المتبادلة بين الفريقين ، والتي انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي لنشهد ردود أفعال متباينة بين أطراف متعددة يجمعها معارضتها للسيسي ورفضها الانقلاب العسكري.
تداعيات تصريحات منير لم تتوقف عند مواقع التواصل الاجتماعي ، بل امتدت إلى وسائل الإعلام ” التقليدية ” حيث خرج نائب المرشد على أكثر من قناة تليفزيونية في ليلة واحدة مؤكداً أنه لم يقصد المعنى الذى تبادر إلى الأذهان من حديثه! كما حرصت جماعة الإخوان على إصدار بيان اتهمت فيه أطرافاً لم تسمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالعمل على ” تشوية صورة جماعة الإخوان المسلمين ورموزها ، من خلال اجتزاء أو تبديل أو تزوير تصريحاتهم أو مواقفهم ، في محاولات مستميته للوقيعة بين الجماعة وقيادتها التي تقف معا ، أو بين الجماعة وشعبنا المصري العظيم “. ، وإذا ما تجاوزنا محاولة فهم أي قيادة يقصد البيان؟! إذ تتنازع الجماعة جهتان، أو حتى محاولة إدراك كيف ستتم هذه الوقيعة ؟ فإن المفارقة الأبرز أن منير نفسه أكد في تصريحات متلفزة لقناة ” مكملين ” صحة ما جاء على لسانه في موقع عربي 21 وإن اعترف أنه أخطأ في التعبير !! إضافة إلى ” لاءات ” متعددة ومتنوعة حرص على التأكيد عليها تخص التفاوض مع السيسي ونظامه ، أو التنازل عن الشرعية ، أو إهدار حق الشهداء والمعتقلين .
كيف نفهم عاصفة الاعتراضات ؟
العاصفة التي سببتها التصريحات يمكن فهمها وتفسيرها وفقاً لعدة مقاربات:
أولاً: لا يمكن فصل الأزمة التي أعقبت التصريحات عن مجمل الأوضاع المأزومة التي تشهدها الجماعة ، وذلك على وقع انقسام حاد ضرب صفوفها وما زال ، يتجاوز كونه صراعاً بين الشباب والشيوخ ، إلى كونه تبايناً حاداً بين رؤيتين في إدارة الثورة لا يمكن لهما الاجتماع ، ومن هنا فقد تم توظيف التصريحات على خلفية هذا الصراع ، يؤكد ذلك الظهور المكثف لمنير ليلة نشرها ، والبيان الصادر باسم الجماعة ، وإن كان مفهوماً أنه صدر عن أحد الطرفين ( جناح عزت تحديداً ) ، وذلك من أجل منع الفريق الآخر من تحقيق أي مكاسب داخلية.
ثانياً : لعبت الحملة الضارية التي شنتها الجماعة في أوقات مختلفة سابقاً ضد حلفاء لها طرحوا تصورات قريبة مما طرحه منير ، دوراً في تعاظم ردود الأفعال ( راجع الهجوم على عاصم عبد الماجد ومحمد محسوب ومحمد العمدة ….وآخرين ) ، خاصة وأن منير تحدث عن إمكانية تقديم تنازلات كما يحدث في أي صراع ( ضرب مثلاً بالثورة الجزائرية).
ثالثاً : الخطاب الإعلامي للجماعة على مدار أكثر من ثلاث سنوات ، دفع إلى حدة ردود الأفعال ، بسبب إصراره على تأكيد ” صفرية ” الصراع ، وأنه لا يقبل أنصاف الحلول ، أو الالتقاء في منتصف الطريق ، مع ضرورة عدم إغفال الدور الذي لعبته سلطة الانقلاب في ديمومة مثل هذا الخطاب ، بفعل الممارسات الوحشية التي دأبت عليها ، والتي حطمت كل الخطوط الحمر التي كان متعارفاً عليها من قبل في إدارة الصراع .
هل لحديث المصالحة أثر على أرض الواقع ؟
لكن هل يمكن لحديث المصالحة أن يجد تجاوباً ؟ بغض النظر عن ردود الأفعال التي صاحبت الحديث عنه .
أرى أنه من الصعوبة بمكان أن نتخيل تصالحاً ” متوازناً ” الآن وذلك يرجع إلى الآتي :
1- لم يعد الإخوان يمتلكون أوراقاً للضغط ، كما كانوا قبل أكثر من ثلاث سنوات ، إذ لم يحاولوا الاستفادة من الحالة الثورية ” الحقيقية ” التي كانت عليها شوارع مصر منذ اللحظات الأولى لإعلان الإطاحة بمحمد مرسي ، نظراً لغياب الرؤية في كيفية التعامل مع الانقلاب ، إذ في الوقت الذي رفض فيه الإخوان الذهاب إلى الاجتماع الذي عقده السيسي مع القوى السياسية صبيحة يوم الثالث من يوليو 2013 ، غابت تماماً الخطة البديلة للتعامل مع مستجدات الانقلاب ، وتم الاكتفاء بالجلوس والاعتصام في ميداني رابعة والنهضة .
2- حالة الانقسام التي تعاني منها الجماعة ، والتي تجعل من الحديث عن مصالحة بين الإخوان والنظام الحاكم ضرباً من التجوز ، بل سيكون الصواب حينها الحديث عن مصالحة بين النظام وبين جزء من الجماعة .
3- كذلك لم يحافظ الإخوان على وحدة وتماسك الصف المعارض في ظل حالة الموت السريري التي بات عليها تحالف دعم الشرعية والتي لم تعد خافية على أحد ، والحديث الدائر حالياً عن كيان بديل باسم الجمعية الوطنية ، ففرق كبير أن يذهب الإخوان بمفردهم إلى طاولة المفاوضات أو أن يذهبوا ومعهم جبهة عريضة تضم أطيافاً شتى .
4- النظام الحاكم نفسه لم يعد في حاجة الآن على الأقل إلى التصالح مع الإخوان ، بعد تمكنه من تثبيت أركانه داخلياً وخارجياً ، أما الربط بين المصالحة وبين إصلاح الأوضاع الاقتصادية المتردية ، فلا يعدو كونه ضرباً من الخيال وأمنيات نفس يحلو للبعض أن يصدرها لمريديه في صورة تحليلات ودراسات ، ففي وجهة نظر النظام التي عبر السيسي أكثر من مرة أن الإخوان أضاعوا فرصة ذهبية برفض العرض الذي عرض عليهم في الساعات الأولى التي تلت الإطاحة بمرسي ، ولم تعد المصالحة تعني لدى السيسي سوى الاستسلام .
وبالرغم من كل ذلك ، يبقى خيار المصالحة خياراً وحيداً أمام الجماعة لحل أزمة آلاف المعتقلين والمشردين ووقف النزيف الداخلي ، بعد تفريطها الغريب في كل أوراق الضغط وفشل قادتها في إدارة الأزمة وهو ما يدركه كثير من القيادات ، لكن الحديث عن المصالحة بالصورة التي فعلها إبراهيم منير سيظل حديثاً محرماً إلى حين إشعار آخر.
_______________________
*كاتب مصري متخصص في شؤون الجماعات الدينية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
