نصر الدين قاسم يكتب: الجزائر- أفريقيا.. والتنمية المستحيلة

ليس خافيا على أحد أن أكبر مشكل يقف في وجه تحقيق الوثبة الحضارية في الجزائر وغيرها من الدول الأفريقية هو غياب الديمقراطية بكل أبعادها الحضارية. يتبع
نصرالدين قاسم*
![]() |
ناقش المنتدى الأفريقي للاستثمار والأعمال الذي احتضنته الجزائر، في الفترة ما بين الثالث والخامس من ديسمبر/كانون الأول فرص وإمكانيات التنمية والاستثمار في إفريقيا.
وأسهب المشاركون من رجال أعمال وصناعيين في التأكيد على مزايا وإغراءات الاستثمار بين الدول الأفريقية في مختلف المجالات وما يتيحه ذلك من احتمالات التكامل وما يدره من أرباح.
تحت شعار “نعمل معا لننجح معا”، خاض المجتمعون في مختلف الورشات والجلسات في كل المحاور، لكنهم ظلوا يدورون في حلقة مفرغة يلوكون الكلام نفسه الذي قاله قبل عشرات السنين الجيل الأول من الزعماء الثوريين وغيرهم، ويكررون الخطابات ذاتها، ولم يتطرقوا إلى جوهر الموضوع ولم يطرحوا المشكل الحقيقي القديم الجديد الذي يعيق هذا العمل منذ عشرات السنين بين الدول الأفريقية وفي الدولة الواحدة نفسها، وأهملوا تناول “الطفرة” التي تجر الشعوب الأفريقية إلى الوراء في حين تتقدم الكثير من الأمم.
• لا تنمية في ظل غياب الديمقراطية
لقد تحاشى الجميع في منتدى الجزائر الحديث عن علاقة الديمقراطية والحرية والشفافية بالاستثمارات والتنمية بمفهومها الواسع، ولم يجرؤ أحد على طرح السؤال الكبير: هل يمكن تحقيق التنمية دون ديمقراطية وهل يمكن نجاح الاستثمارات والنماء الاقتصادي والاجتماعي في ظل الأزمات والنزاعات وتغول الاستبداد والفساد والاختلاسات. وهذه متلازمة يؤكدها السياسيون والاقتصاديون والأكاديميون، ويجزمون أنه لا تنمية دون ديمقراطية ولا استثمارات حقيقية حيث الفساد والاختلاسات وتهريب الأموال، وحتى استثناءي الصين وسنغافورة لا يقاس عليهما ولهما تفسيرات اقتصادية واجتماعية أخرى تؤكد القاعدة ولا تنفيها، وهذا موضوع آخر. ولعل أحسن توصيف لهذه الظاهرة ما ذهب إليه السياسي الأكاديمي المصري ووزير الاقتصاد سابقا سلطان أبو علي في كتابه “التنمية والديمقراطية في مصر” عندما أكد أنه:”إذا كان للتنمية الاقتصادية والاجتماعية متطلباتها المعروفة، فإن الديمقراطية بمفهومها العام تعتبر من أساسيات التنمية المستدامة، ويجب ألا ننخدع بتسارع معدل النمو لفترات قصيرة في ظل نظم شمولية دكتاتورية، إذ سرعان ما تنقلب إلى تخريب ودمار.”
• أية استثمارات في بيئة حاضنة للفساد!
ليس خافيا على أحد أن أكبر مشكل يقف في وجه تحقيق الوثبة الحضارية في الجزائر وغيرها من الدول الأفريقية هو غياب الديمقراطية بكل أبعادها الحضارية، واستشراء الفساد والاختلاسات وتبديد المال العام والتوزيع غير العادل للثروة الوطنية، وانتشار “الآفات” من الرشوة والغش والتهرب الضريبي، وتهريب الأموال، والتلاعب بالصفقات العمومية.. وليس سرا الغياب شبه التام للرقابة، وتسخير العدالة للتغطية على هذه الجرائم أو استعمالها أداةً للتخويف وتصفية المنافسين أو الخصوم حتى لا يجرؤ أحد على الانتقاد أو الاتهام أو كشف الفضائح والاختلاسات.
فرغم الخيرات والثروات البشرية والمادية التي تتمتع بها العديد من الدول الأفريقية فإنها لم تحقق شيئا طيلة عشرات السنين ولا تزال تعاني التخلف والفقر والحرمان. في السنوات الأولى التي أعقبت استقلال هذه الدول – أي في الستينات – كان كل شيء يعلق على مشجب مخلفات الاستعمار القديم، لكن اليوم وبعد أكثر من نصف قرن لم يعد بمقدور الأنظمة القائمة في أفريقيا أن تنفي عن نفسها مسؤولية التخلف والأزمات التي أغرقت فيها بلدانها، وهي تحكم شعوبها بقوة الحديد والنار تسفك دماءهم، وتنهب أموالهم، وتبدد خيراتهم، وتتلاعب بثرواتهم.
• “اقتصاديات” متخلفة.. وبورجوازية مزيفة
يجمع الاقتصاديون أن الرأسمال نتاج تراكم للأموال والخيرات المادية، وأن البورجوازية – أو الثراء بالمفهوم الشعبي – تقليد يتوارثه الأجيال وينمّونه، وهو الآخر نتاج تراكمات ولا يمكنه أن يحدث دفعة واحدة في وقت قياسي؛ إلا أن الحاصل في الجزائر ومصر وغيرهما من الدول الأفريقية، هو العكس تماما، ففي كل فترة أو عهد يفرخ أثرياء جدد وأرستقراطيون جدد، سواء بتحييد السابقين أو إفلاسهم.. رجال من هذه الطينة لا يمكنهم أن يحققوا التنمية المستدامة، لأنهم دخلاء يؤدون أدوارا ولا يملكون مؤهلات النجاح في قطاع أُقحموا فيه، ولو وصفوا بأنهم رجال أعمال.. ثم لأن ثروات رجال أعمال الربع ساعة الأخير، كانت سريعة ومجهولة المصدر والهوية، ولم تخضع للمسطرة الاقتصادية وشروطها، فهي طفرة قد تزول في أي لحظة، وعليه فإن كل ما يمكن أن يتحقق في ظل هذا الغموض والتعتيم معرّض للمصير نفسه.
منتدى الجزائر للاستثمار والأعمال في أفريقيا كان فكرة جيدة ومبادرة رصدت لها الجزائر جهودا دبلوماسية وإمكانات مادية كبيرة، لكن لسوء حظ الجزائر وأفريقيا فإنه لم يذهب إلى جوهر الأشياء، وجانب صلب الموضوع، فلم يؤت أكله حتى أنه أصبح حسب الكثير من المحللين والتقارير الإعلامية أحد مظاهر الخلل الحاصل في التنمية الغائبة في أفريقيا، وأكد فيه المنظمون والمنشطون لفعالياته – من حيث يدرون أو لا يدرون – صعوبة الاستثمار في أفريقيا وأهم أسباب “طرد” الرأسمال من منها، وعدم تحمس الأفارقة للاستثمار في دولهم وتفضيل تهريب أموالهم إلى مواطن وبيئات حاضنة وآمنة..
فقد تناولت وسائل الإعلام الجزائرية بإسهاب كبير حادثة يوم الافتتاح، حتى أن الكثير من السياسيين والاقتصاديين حكموا على المنتدى بالفشل عقب الحادثة تلك، عندما غادر رئيس الحكومة بمعية وزرائه، القاعة مباشرة بعد كلمته الافتتاحية واعتلاء رئيس منتدى رؤساء المؤسسات المنبر، وقاطعوا فعالياته.. وقد فسر المتابعون والحاضرون في القاعة ذلك بتجاوز رئيس منتدى رؤساء المؤسسات – المقرب من السلطة – وزيري الخارجية والتجارة اللذين كان من المفروض أن يلقيا كلمتيهما تباعا بعد الوزير الأول.. حادثة كانت لها انعكاسات سلبية، وخلفت استياء كبيرا دفع بالكثير من المحللين إلى التساؤل كيف لأفريقيا أن تنجح في جلب الاستثمار وتحقق التنمية في ظل مثل هذه الأجواء التي تؤكد الفوضى السياسية الحاصلة والنفوذ الطاغي.
• فاقد الشيء لا يعطيه
يقول الاقتصاديون إن “رأس المال جبان” ويعتبرون المقولة قاعدة ذهبية في تفسير تحركات وتوجهات رأس المال، وتدفقه نحو مناطق الأمن والأمان والاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والربح المضمون وهذه ظروف لا تتوفر إلا في الدول الديمقراطية، وهذا يعني بالاستنتاج المنطقي أن أفريقيا منطقة طاردة للاستثمار المنتج للتنمية والخيرات المادية، تفتقر إلى المناخ الذي يشجع على الاستثمار وتدفق رؤوس الأموال، لأنها غير آمنة وغير مستقرة وبالتالي غير ديمقراطية.
المنتدى الأفريقي للاستثمار والأعمال كان فرصة أخرى ضائعة وكان تأكيدا آخر على أن خلاص أفريقيا لا يزال بعيدا. اللقاء كان قفزة أخرى على الحقائق والواقع وهروبا إلى الأمام نحو إعادة إنتاج نماذج الفشل الاقتصادي نفسها. الحركيات الجديدة التي دعا إليها المنتدى مستحيلة التحقيق ما لم تسبقها حركيات سياسية تعيد إلى الشعوب الأفريقية حريتها وكرامتها وحقها في اختيار من يحكمها… وستبقى أفريقيا في أحسن الأحوال مصدرا للمواد الأولية وسوقا كبيرة لتصريف المنتجات الأوربية.
_______________________
*كاتب وصحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
