ابتسام تريسي تكتب: وهم الانتصارات الأسدية في حلب

سوريا الحرّة بين أيديكم الآن أيّها الأحرار.. أعرف أنّكم تصونون الأمانة فمن قال “لا” للأسد.. لن تخضعه قوة في العالم مهما عظمت. يتبع
ابتسام تريسي*
![]() |
موجة من الفرح العارم تجتاح مؤيدي الأسد داخل سوريا وخارجها يهنئون بعضهم بالانتصار العظيم يرقصون، وبعض مثقفيهم ينتظرون صابون الغار من حلب … حلب الشرقية التي أضحت كتلة من الدّمار.
لم يسبق لشعب أن احتفى بالموت رقصاً على الأشلاء كما حدث في حلب.. أهل حلب الغربية يرقصون على إيقاع القتل والذبح وتدمير البيوت فوق رؤوس الأطفال والنّساء والشّيوخ في حلب الشّرقية.. للأسف هذا ما سيسجله التّاريخ موثقاً بالصورة.. حلب الشّرقية تباد، وسكّان حلب الغربية يرقصون احتفالاً بالنصر المؤزر لجيوش “إيران وروسيا وشيعة لبنان والعراق” مدعوماً بالطيران الحربي على بضعة مئات من المقاتلين الذين رفضوا الخروج من مدينتهم وآثروا الإعدام الميداني الجماعي بعد نفاد ذخيرتهم على خيانة المدنيين وتركهم يواجهون المصير نفسه لوحدهم.
الأسد والموالون فرحون بالانتصار العظيم.. لكنّهم لم ينتبهوا إلى أنّه انتصار الخراب والدّمار والعدم.. وأنّ بشّار الأسد سيكون رئيساً للخراب، ولشرذمة من القتلة الذين درّبهم في سجونه قبل أن يطلقهم على المدنيين العزّل لينهبوا ويقتلوا ويغتصبوا.. إنّها ثقافة الخراب التي لن يجني منها شيئاً، فقط سيتربع فوق تلة من مخلّفات الحضارة والجماجم وحوله تنبح الكلاب الشاردة، دون أن يدري أحد منهم دوره المستقبلي بعد اقتسام الكعكة بين روسيا وإيران وكيف ستعاملهم الميليشيات الشيعية بعد أن تقطن الأحياء التي تم تهجير أبنائها. حتّى هذا الرئيس الإمعة لن يدري ما هو دوره بعد تخريب ما يفترض أنه وطنه.
بعيداً عن الندب والبكاء علينا أن ننظر للأسباب التي جعلت ثورتنا تصل إلى هذا المآل، علينا أن نحاكم ما جرى بالمنطق ونبحث عن الحلول.
منذ بداية الثورة كتب جنود الأسد على جدران المدن التي احتلوها “الأسد أو نحرق البلد”.. لم يستطع الأسد أن يدمّر البلد كما يريد فاستعان بحزب الله وإيران وشيعة العراق وكلّ المليشيات التي دخلت سوريا لدعمه لم تستطع تحقيق ما يريد حتّى دخلت روسيا بكلّ ثقلها السياسي والعسكري.. وقام طيرانها بتحويل سوريا أو على الأدق المدن السورية الثائرة إلى “غروزني (عاصمة الشيشان)” أخرى ويستطيع بوتين أن يفخر بذلك.. ويحق له أن يفخر بتحقيق حلم المعتوه الذي استعان به.
أمريكا والدور الخبيث
أمّا أمريكا فلها الحق أن تفخر هي أيضاً بدورها الخبيث والوضيع والحقير في الدرس الذي قدمته للعالم عن الطريقة المثلى للعب في مصائر الشّعوب وتكريس الديكتاتوريات على الرغم من نظامها الديمقراطي.. لم يكن خافياً على السوريين دورها منذ اليوم الأول للثورة. بدءاً من قلق بان غي مون إلى مواقف أوباما إلى كيري إلى ديمستورا.. لكنّها الآن حقّقت أهدافها بأقلّ كلفة ممكنة في تدمير سوريا، وربّما تعلّمت ذلك من تجربتها في العراق.. فأدارت لعبة الحرب بالوكالة في سوريا.
تلاقت الأحلام كلها في سوريا، حلم إيران وروسيا بإعادة المجد لإمبراطوريات زائلة، وحلم إسرائيل بتدمير بلاد الشام والنشوة التي حصلت عليها من ذلك، تذكرون طبعاً شعارها “دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل” وبالتأكيد تذكرون كم سخرنا من هذا الشعار عندما كنّا نعيش أوهام الوحدة العربية والأمة التي لن تهزم.
لقد اكتفينا من الأحلام فهل سينظر شبابنا المجاهدون إلى الحال التي وصلوا إليها باتباعهم لقيادات مشبوهة فرضتها عليهم الدول الداعمة؟
الملفت للنظر أنّ معظم قادة الفصائل ليسوا سوريين، وليست داعش وحدها من تعتقل المدنيين وتصادر الحريّات وتقتل وتغتصب وتسبي، وتكرّس بكلّ أفعالها صفة الإرهاب التي يسعى الغرب لجعلها سبباً في الهجوم على المناطق المدنية وقتل سكّانها.. النصرة أيضاً لديها سجون وقامت باعتداءات كثيرة على إعلاميين ومهاجمة محطات إذاعية ومنعت الموسيقا فيها، وفرضت لباساً محدداً للنساء، وأطلقت شرطة نسائية لمراقبة النساء في الشوارع ومدى التزامهن بالحجاب..
تحوّلت الثّورة السّورية على أيدي هؤلاء من ثورة ضدَّ الظلم إلى ثورة ضدّ الإسلام والمرأة والحريّة..
قادة الفصائل الذين افتعلوا معارك صغيرة وصنعوا انتصارات محدودة ووهمية هم أيضاً لهم الحق أن يفخروا الآن بأنّهم لا يقلون وحشية عن نظام الأسد فقد قمعوا المظاهرات وداسوا علم الثورة واقتتلوا مع الجيش الحر وذهب الكثير من الضحايا.. بالإضافة إلى السّجون.
الفصائل التي تقاتل في سوريا بقيادة أغراب يخضعون للدول التي تقوم بدعمهم هم أيضاً سبب رئيسي في تحقيق الأسد لانتصاراته الوهمية في حلب. وبذرائع واهية تمّ القضاء على ستة عشر فصيلاً من فصائل الجيش الحر الذي حرّر قرابة 60 بالمئة قبل ظهور المجاهدين الأجانب على اختلافهم حتى في قلب الحصار على حلب تمت مهاجمة أحد الفصائل ومصادرة سلاحه كي يسهل على الميليشيات الطريق، هذه الميليشيات التي تعيث الآن خراباً واغتصاباً.
وقد حقّق الأسد من اتباعه لخطة هشام معلا الذي اكتسح حي المشارقة بحلب في ثمانينات القرن الماضي وقتل وذبح وسحل بالدبابات جثث الشهداء ثمّ دمّر الحي وأزيل من الوجود.. حقّق المطلوب في إدخال الرعب في نفوس سكّان حلب وجعل الرعب بعض البنات ينتحرن وبعض الرجال يطلبون فتوى تسمح لهم بقتل بناتهم كي لا يتعرّضن للاغتصاب في الشّوارع على أيدي رجال حركة النجباء الشيعية العراقية..
نصر المغول والتتار
لقد انتصر الأسد في حلب.. هذا ما أرادته أمريكا وروسيا وإيران وجميع المليشيات التابعة لهم.. لكنّ هذا النصر هو نصر المغول والتتار الذين لم يبقَ لهم أثراً سوى في كتب التاريخ التي تتحدّث عن همجيتهم و وحشيتهم..
والشّعب السّوري الذي خرج مطالباً بالحريّة ووقف في وجه الرصاص أعزل من السلاح.. سيعود الآن في إدلب تحديداً التي جمعت كلّ أحرار المدن السّورية ليخرج بمظاهرات ترفع علم الثورة وتطالب الفصائل بمغادرة المدينة والريف كي لا يبقى حجة لدول العالم المجتمعة على قتل الشّعب السّوري لإبادة إدلب كما فعلت بحلب..
الشّباب الأحرار الذين تحملوا التّعذيب والاعتقال والحصار ووقفوا في وجه الأسد.. عليهم اليوم أن يقولوا كلمتهم ولا ينسوا وهم يطالبون الفصائل بالمغادرة أن يصرخوا بإسقاط نظام الأسد.. كي لا يتخذها ذريعة للسيطرة على مدنهم بحجة أنّهم يرفضون الحكم الإسلامي الذي فرضته عليهم تلك الفصائل.
سوريا الحرّة بين أيديكم الآن أيّها الأحرار.. أعرف أنّكم تصونون الأمانة فمن قال “لا” للأسد.. لن تخضعه قوة في العالم مهما عظمت.
__________________________
*كاتبة وأديبة سورية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
