سمير العركي يكتب: قراءة أولية في تفجيرات تركيا
Published On 19/12/2016

سمير العركي*
![]() |
لا يمكن فصل أبعاد وآثار التفجيرات العنيفة التي ضربت مدينتي إسطنبول وقيصري ، عن مجمل المشهد العام التركي ، والذي يشهد منذ حوالي ثلاث سنوات إلحاحاً عنيفاً على إدخال تركيا في دوامة الفوضى التي تم إدخال المنطقة إليها بفعل الثورات المضادة .
الإلحاح في المشهد التركي اتخذ وسائل تنوعت ما بين النعومة والعنف كما حاولت في أحيان أخرى الاستتار خلف قناع شعبوي مزيف على النحو التالي :
– محاولة استنساخ التجربة الأوكرانية في مظاهرات مايو 2013 والتي عرفت بأحداث “جيزي بارك” والتي تحولت فيها مظاهرات احتجاجية على إزالة حديقة بميدان تقسيم في اسطنبول إلى مظاهرات عنيفة حاولت الإطاحة برئيس الوزراء حينها رجب طيب أردوغان .
– محاولة انقلاب قضائية دبرها تنظيم فتح الله جولن في ديسمبر 2013 بمعاونة أذرعه داخل القضاء التركي ، حاولوا من خلالها الوصول إلى أردوغان نفسه ، والتأثير على انتخابات البلديات ، لكنها باءت بالفشل .
– إثارة موجة من العنف من أنصار حزب العمال الكردستاني ، بعد دعوة وجهها رئيس حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش ، وذلك احتجاجاً على سيطرة تنظيم داعش على مدينة عين العرب كوباني السورية! ، وقد طالت تلك الموجة بعض أنحاء إسطنبول إضافة إلى ولايات الجنوب الشرقي
– ثم مؤخراً كانت المحاولة الأعنف بتحريك بعض وحدات الجيش التركي في محاولة للاستيلاء على الحكم في 15 يوليو الماضي ، والتي فشلت بفعل المقاومة الشعبية الهائلة ، التي دعا إليها وقادها أردوغان .
من هنا سيكون من الخطأ البين فصل الحوادث الأمنية التي تشهدها المدن التركية عن هذا السياق المشار إليه ، والذي شهد ذروته خلال أسبوع واحد فقط من خلال التفجيرات التي ضربت مدينتي إسطنبول وقيصري ، حيث استهدف تفجيران تجمعاً لقوات مكافحة الشغب أمام ملعب فريق بيشكتاش وسط إسطنبول، عقب انتهاء مباراته مع فريق بورصة سبور. أما الثالث فقد استهدف حافلة تقل جنوداً في الجيش أثناء مرورها أمام جامعة أرجياس بولاية قيصري وسط البلاد .
التفجيرات خلفت عشرات القتلى والمصابين ، كما حملت بصمات حزب العمال الكردستاني PKK الذي اتهمته الحكومة التركية بالمسؤولية المباشرة رغم محاولة بعض الواجهات الإعلامية كتنظيم ما يسمى بصقور كردستان إعلان مسؤوليته .
لكن قراءة المشهد لن تنتهي عند حد الإعلان عن الجهة المسؤولة ، بقدر ما يجب أن تنفتح أكثر للحديث عن الأسباب والتداعيات .
الاحتواء داخل الأناضول
لم يكن تنظيم العمال الكردستاني منذ تأسيسه وحتى الآن لاعباً مستقل الإرادة ، بقدر ما ارتبط بقوى إقليمية ودولية فقد ارتبط بنظام حافظ الأسد الذي أصبغ عليه رعايته واهتمامه ، ثم امتدت الرعاية إلى خليفته بشار ، كما تحدث تقارير عدة عن علاقات وثيقة تربط ما بين التنظيم وبين الحرس الثوري الإيراني ، في الوقت الذي يحتفظ فيه التنظيم بعلاقات مميزة مع الجانب الأميركي عبر ميليشيات الوحدات الكردية YPG الموجودة في سوريا، إضافة إلى علاقاته الوثيقة داخل القارة الأوربية ، ما يعني أن التنظيم تحول إلى مجرد ” بيدق” على رقعة شطرنج ملتهبة ، وإن كان هذا لا يمنع أن يحتفظ التنظيم بأسبابه الخاصة ، فموجة التفجيرات الأخيرة كشفت عن تطور ملحوظ في أداء التنظيم من حيث التخطيط واختيار الأهداف ودقة التنفيذ والدعم اللوجيستي الكبير ( تفجير إسطنبول تم تنفيذه بحوالي 400 كيلوجراماً من المتفجرات )
البحث عن الأسباب لابد وأن يقودنا إلى الدور التركي المتجاوز لحدود الأناضول – التي حاولت ترتيبات ما بعد سقوط الدولة العثمانية حبس الدولة الوليدة داخلها وقطع صلاتها بعمقها الاستراتيجي في المنطقة العربية – حيث لا يروق للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوربا التي لا تزال الأخيرة تختزل صراعها التاريخي مع الدولة العثمانية ، في علاقتها مع أنقرة لذا كان العمل على إغراق تركيا في مستنقع الفوضى من أجل إجبارها على الانكماش مرة أخرى داخل الأناضول ، ومن ثم القضاء على أي مشاركة فعالة في الأزمة السورية أو غيرها من قضايا المنطقة .
وهذا ما تعيه الدولة التركية إذ أكد نائب رئيس الوزراء نعمان قورتولموش أن “الهجمات الإرهابية في كافة أنحاء العالم ليست عبارة عن إرهاب فقط، وإنما وراءها رسائل سياسية”.
كما لا يخفى أن الدور التركي المتصاعد في الملف السوري ، بات يمثل صداعاً مزمناً لإيران التي ترى في جارتها قوة “سنية” لا تزال تحتفظ بكثير من أوراق القوة في ظل حالة الفوضى التي ضربت القوى السنية التقليدية في البلدان العربية
ومن هنا يمكننا فهم تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب تفجير قيصري ، حيث شدد على أن التفجير ليس معزولاً عن الأحداث التي تشهدها المنطقة، خاصة التطورات في سوريا والعراق .
أردوغان أكد أيضاً أن “منظمة بي كا كا الإرهابية الانفصالية، على الأخص، تستنفر كل إمكانياتها، وأسلوب وهدف عملياتها، يشيران إلى أن الغاية الأساسية للمنظمة هي قطع الطريق أمام تركيا، وعرقلة تقدمها”.
كما أن التفجيرات الأخيرة جاءت كمحاولة من التنظيم لإثبات أنه مازال محتفظاً بقوته ، عقب سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة التي طالت معاقله التقليدية في ديار بكر ، وشانلي أوروفه ، وهكاري ، كما شملت معسكراته الخارجية في جبال قنديل بالعراق . كما طالت العمليات الأمنية العديد من كوادر وقيادات حزب الشعوب الديمقراطي ” الكردي ” HDP الذي تعتبره الدولة داعماً أساسياً لحزب العمال ، حيث جرى اعتقال رئيسي الحزب المشاركين صلاح الدين دميرطاش وفيجين يوكساكداغ ، إضافة إلى عدد كبير من نواب البرلمان ورؤساء البلديات المنتمين للحزب.
كما تجيء التفجيرات في أعقاب وضع اللمسات الأخيرة لمشروع الدستور الجديد الذي حظي بتأييد حزب العدالة والتنمية الحاكم مع حزب الحركة القومية ، حيث من المقرر أن يطرح للاستفتاء ربيع العام المقبل ، وهو ما يعني وضع تركيا حال الموافقة عليه كما هو متوقع أن يضعها على بداية طريق تحقيق أهداف 2023 التي توافق مائة عام على تأسيس الجمهورية ، والتي يهدف حزب العدالة والتنمية من ورائها إلى إعادة تأسيس الجمهورية التركية ثقافياً وسياسياً.
هل تمضي تركيا في طريق المواجهة ؟
مما لا شك فيه أن موجة التفجيرات ستلقي بظلالها على الملف الأمني ، إذ ليس من المتوقع أن تتراجع الدولة عن خيار المواجهة كخيار أحادي في مواجهة موجة الإرهاب سواء من حزب العمال أو من تنظيم داعش ، ومن المستبعد تماماً أن تجبر مثل هذه العمليات الدولة على التفاوض مجدداً مع حزب العمال ، أو تقديم أي تنازلات له لكن الاستراتيجية الجديدة-التي تحدث عنها الرئيس أردوغان قبل فترة – ستواصل ملاحقة الإرهاب خارج الحدود التركية في سوريا والعراق وقد تتوسع فيه وعدم الاكتفاء بمواجهته داخل الأراضي التركية، خاصة في ظل التهديدات الأمنية التي باتت تمثلها امتدادات حزب العمال داخل الأراضي السورية وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي YBD وميليشات الوحدات الكردية المسلحة YPG حيث أثبتت التحقيقات أن أحد منفذي اعتداء اسطنبول الأخير قادم من الأراضي السورية حيث تلقى التدريبات والتكليفات .
لكن ملامح توسع العمليات العسكرية في سوريا ، لا يمكن التكهن به إلا عقب انتهاء معركة الباب وتأكيد السيطرة عليها ، وهل يمكن لقوات الجيش السوري الحر والقوات التركية الاتجاه شرقاً صوب مدينة منبج حيث تواجد ميليشات الوحدات الكردية أم لا ؟
لكن ثمة مواجهات سياسية ساخنة سيجب على أنقرة خوض غمارها ضد الدول التي توفر ملاذات آمنة لعناصر حزب العمال ، الذي يتمتع بدعم أوروبي واسع النطاق رغم تصنيفه أوروبياً كمنظمة إرهابية !!! إذ تقدر الحكومة التركية حجم الأموال التي يتحصل عليها الحزب سنوياً نتيجة نشاطات متعددة بنحو ثلاثين مليون يورو .
حيث تسمح الدول الأوروبية وخاصة بلجيكا وألمانيا والنمسا للحزب بإقامة الفاعليات الجماهيرية المناوئة لتركيا ، والتي وصلت إلى حد الاعتداء على المساجد والأتراك المقيمين في أوروبا .
وهو ما أدى إلى تأزم العلاقات التركية – الأوربية ، والمرشحة لمزيد من التدهور في ظل تأكيد نائب رئيس الوزراء نعمان قورتولموش أن المواد المستخدمة في تفجير بيشكتاش ” لا تُباع في مراكز التسوق والأسواق؛ حيث من الواضح أن تلك المواد هي قنابل موجودة في مخازن القوات المسلحة لبعض البلدان؛ ما يعني أن هناك دعم لوجستي واستخباراتي وتخطيط سياسي وراء ذلك”.
المعطيات السابقة تؤكد أن الدولة التركية ستمضي في طريق المواجهة عبر مقاربات أمنية وسياسية وتعبوية بعد أن أعلن أردوغان التعبئة العامة ضد الإرهاب في ظل دعم جماهيري واسع لخطط المواجهة ، وتأييد حزبي أفصح عنه رئيسا حزبي الشعب الجمهوري CHP والحركية القومية MHP ، كمال كليتشدار أوغلو ودولت بهشلي في لقاء جمعهما برئيس الوزراء بن علي يلدريم قبل أيام في أنقرة ، حيث أكدا استعدادهما لتقديم كل العون للحكومة في مواجهتها للإرهاب .
وهكذا يبدو تصميم أنقرة على المضي قدماً في مواجهة التنظيمات الإرهابية ، وفي الوقت ذاته أداء الدور الإقليمي كما تراه متناسباً مع مكانتها ، مع الحرص على عدم الانكفاء داخل الأناضول مرة أخرى .
______________________
*كاتب وصحفي مصري مقيم في اسطنبول
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
