محمد منير يكتب: ما بين مئوية “مرسى” وألفية “السيسى”

محمد منير*
![]() |
السيف البتار الذى أطاح بحكم الرئيس المنتخب السابق محمد مرسى، كان الدعاية حول فشله فى إنجاز برنامج المائة يوم الذى وعد به لإنقاذ مصر من انهيارها والخروج بها من أزمتها. اليوم يقترب حكم الرئيس عبد الفتاح السيسى من ألف يوم أى بمعدل 1 :10 مقارنة بالمدة التى وعد بها الرئيس مرسى للخروج بمصر من أزمتها؛ فإذا أعملنا قاعدة المعيار الواحد علينا أن نقيم إنجازات الرئيس الحالى بنفس معايير تقييم الرئيس الأسبق، وهى المعايير التى انتهت بانقلاب أقاله من منصبه بعد أقل من عام على حكمه، وأرجو ألا يخرج علينا فصيح ويقول مرسى وعد والسيسى لم يعد.. مجرد الانقلاب على نظام ما، هو وعد بحلول بديلة، هذا بالإضافة إلى أن خطاب السيسى منذ البداية لا يحمل سوى وعود وأحلام.
ما علينا مشكلة الرئيس مرسى نابعة من سذاجة سياسية جعلته يعد بحل مشكلات رئيسية فى مصر فى مدة مائة يوم، وهذا فى حد ذاته يحتاج إلى معجزة استثنائية، وربما انخدع الرئيس المنتخب بما أحرزه من نجاح فى أول انتخابات رئاسية حرة فى مصر، وتصور أن الإرادة الشعبية المتوجة بإرادة الصندوق كفيلة بأن تمنحه القوة السحرية للوفاء بمثل هذا الوعد العنترى، وقلة خبرة “مرسى” وجماعته جعلتهم لا يدركون خطورة الحكم فى ظل وجود جهاز دولة عميقة الجذور فى الفساد والاستبداد، وجعلتهم يتخيلون أن إرادة الصندوق كفيلة بحمايتهم وتحقيق التغيير الثورى المنشود. وبالطبع فإن قلة الخبرة السياسية للرئيس المنتخب وجماعته جعلتهم لا يدركون تجارب سابقة نفت هذا الوهم، ولم يستفد منها، وعلى رأسها تجربة شيلى فى السبعينيات عندما أطاح الجيش بالرئيس المنتخب سيلفادور الليندى وأعدمه هو ومؤيديه فى أكبر مذبحة بشرية فى القرن العشرين.
شرعية الصندوق لا تكفى للسيطرة على مقاليد الحكم فى بلد ظل الفساد ينخر فى عظامه عشرات السنين وربما أكثر من ذلك، فالأمر يتطلب خبرة وقوة سياسية وجماهيرية تمكن أصحابها من استخدام الدفع الشعبى فى القضاء على جذور الدولة عميقة الفساد واستبدال كل المؤسسات السابقة، والتى كان لها دور كبير فى تصدير المشكلات للرئيس المنتخب واستغلال قلة خبرته، بالإضافة إلى الوقيعة بين القوى المعارضة، والتى بدأتها مؤسسات الدولة عميقة الفساد منذ اللحظات الأولى لثورة 25 يناير 2011.
ورغم ذلك فإن المظاهر التى روج لها أصحاب الانقلاب باعتبارها مظاهر فشل لم تكن فشلاً بالمعنى الواضح، أو حتى بالمقارنة بما نعيشه الآن، بل كان مقارنة مغرضة بالوعد الرئاسى الساذج المتعلق بالمائة يوم، إلا أنه لم يحقق أى تردٍ اقتصادى واضح بل كان فى أسوأ أشكاله نوعا من الثبات فى بعض المحاور الداخلية، أما على مستوى العلاقات الخارجية فالأمر لا يمكن أن يُقارن بحالة الهزل والضعف وقلة الكرامة والاحترام والهوان التى نعيشها على المستوى الدولى الآن.
تعهد مرسى بحل مشكلات المرور والأمن والوقود والخبز والنظافة، إلا أنه لم يحقق سوى 9 وعود من أصل 64 وشرع في تنفيذ 24 وعدا آخرا فقط، مما زاد من الاحتجاجات العمالية والإضرابات مثل إضراب سائقى الميكروباص والأطباء والمعلمين وآخرين، مما اعتبره البعض فشلا في تنفيذ وعوده، والحقيقة أن الوعد رغم سذاجته فقد تعرض إلى إفشال متعمد وعرقلة عن طريق تآمر أجهزة الدولة عميقة الفساد وجهازها الإعلامى الذى لم يفقد سيطرته ولا ولاءه للفساد، وفى ظل صمت القوى السياسية المرتبكة التى كانت تعيش فى حالة من الضبابية جعلتها لا تدرك خطورة القضاء على أول تجربة حكم شعبى فى مصر مهما كانت سلبياته.
وانتهى الأمر إلى ما انتهى إليه، وعاد الحكم العسكرى مرة أخرى لمصر بعد عام من تنحيه المؤقت، عاد ليحمل شعارات قوية حول الأمن والرفاهية الاقتصادية، تم الانقلاب على الرئيس المنتخب بمشهد دموى يتشابه مع ما حدث فى شيلى فى السبعينيات استهدفه واستهدف جماعته، والتى كانت تحمل الكثير من السلبيات سواء فى تكوينها السياسى أو خبراتها أو مفهومها لمعنى الديمقراطية، وهو ما سهل إمكانية الانقضاض عليها وللأسف الانقضاض على أول تجربة للحكم الشعبى المدنى.
وإذا كان “مرسى” قد حُمل بفشل نتيجة عدم إحرازه أى تطور من وجهة نظر المنقلبين، فى مائة يوم، فماذا عن إنجازات السيسى والذى مر على توليه الحكم ما يقترب من ألف يوم؟
فى الظاهر يمارس النظام الحالى دعاية “بالونية” فارغة المحتوى حول انجازات بعينها مثل القضاء على أزمة الكهرباء وأزمة عدم توافر الخبز، الحقيقة أن الأزمتين قد قضى عليهما على حساب المواطن المصرى وعلى حساب تحميله بأعباء لا تتناسب مع دخله مثل ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود والسلع الغذائية، وحتى خطة توزيع الخبز من خلال البطاقات التموينية هى خطة استندت فى الأساس على سياسة وزير التموين فى عهد الرئيس مرسى، وهو معتقل الآن فى السجون المصرية رغم ما حققه من نجاح.
أعباء وهم الإصلاح الاقتصادى
بعد أقل من عام على حكم السيسى، بدأ المواطن المصرى بتحمل أعباء وهم الإصلاح الاقتصادى، فتم تخفيض الدعم بالموازنة المصرية على الوقود والسلع الغذائية وبنود أخرى بنحو 51 مليار جنيه (5.7 مليارات دولار) في موازنة 2014-2015، مما ترتب عليه ارتفاع أسعار وقود السيارات، والغاز الطبيعي بالمنازل والمصانع والأنشطة التجارية، وارتفعت كذلك رسوم استهلاك المياه والكهرباء والغاز، وتزامن ذلك مع دعاوى ذات صبغة وطنية جوفاء مثل صندوق دعم مصر وصبح على مصر بجنيه، فى الوقت التى تزداد الغالبية من الشعب فقرا، وتتنامى ثروات رجال الحكم والأعمال والفساد والمحيطين بهم فى أجهزة الاعلام والدولة بشكل مبلغ فيه فأتسعت الهوة الطبقية ظاهراً ومضموناً.
قطاع السياحة فى مصر يشكل حوالى 11% من إجمالى الناتج المحلى، وتُظهر البيانات الرسمية أن فترة تولي الرئيس محمد مرسي في العام المالي 2012/2013 هي الأفضل لقطاع السياحة خلال سنوات، حيث بلغت الإيرادات 9.8 مليار دولار، ثم تدهورت بمعدّل النصف إلى 5.1 مليارات دولار في السنة المالية 2013-2014، إبان حكم الرئيس المؤقت عدلي منصور، وهي أول سنة مالية بعد الانقلاب العسكري، و7.4 مليار دولار خلال العام المالي الأول لعبد الفتاح السيسي.
واعتبر مركز كارنيجي الأمريكي حادث إسقاط الطائرة الروسية، ضربة جديدة للمسؤولين المصريين الذين يحاولون إقناع العالم بأن مصر تنعم بالأمان وتؤمّن مناخاً مؤاتياً للأعمال والسياحة على السواء، خاصة لكون السياح الروس يشكلون ثلث السياح الوافدين لمصر.
تراجعت الصادرات السلعية في النصف الأول من عام 2015 إلى 9.1 مليارات دولار، مقارنة مع 12.3 مليار خلال الفترة نفسها من العام السابق. وفي الوقت نفسه زادت الواردات السلعية من 57.1 مليار دولار في يونيو 2013 إلى 61.3 مليارا في يونيو 2015.
وإذا كان النظام المصرى قد مارس دعاية شديدة التفاؤل حول نتائج مؤتمر شرم الشيخ والتوقعات الاستثمارية الناتجة عنه وحول مشروع توسيع قناة السويس، فإن النتائج الفعلية على أرض الواقع كانت مختلفة، حيث تراجعت الشركات الإماراتية التي أُعُلن عن تنفيذها لمشروعي المليون وحدة سكنية والعاصمة الجديدة بسبب التمويل، حيث كانت هذه الشركات تخطط للحصول عليها من البنوك المصرية، بينما حكومة السيسي كانت تأمل تدفقا جديدا للتمويل الأجنبي، وبالتالي خرج مشروعان كبيران من خارطة الوعود الاقتصادية للسيسي.
أما مشروع توسعة قناة السويس، فبحسب البيانات الرسمية لهيئة القناة، تراجعت إيرادات قناة السويس بنهاية العام 2015 بنحو 290 مليون دولار مقارنة بإيرادات 2014. وعرضت الهيئة تخفيضات على المرور للسفن العابرة خلال الشهور الماضية تصل إلى 50% لتعويض التراجع في إيراداتها. وبحسابات الفرصة البديلة، فإن سحب 60 مليار جنيه (6.7 مليارات دولار) ووضعها في توسعة القناة ضيع فرصة استثمار هذه الأموال في مشروعات إنتاجية بمجالي الصناعة والزراعة، كانت جديرة بخلق فرص عمل حقيقية ومستقرة، فضلا عن تحسين هيكل الناتج المحلي، والتخفيف من العجز بالميزان التجاري.
انهار الاحتياطى من النقد الأجنبى بشكل كبير بعد زيادة الواردات من السلع الغذائية وانهار الجنيه المصرى أمام العملة الأجنبية بشكل مبالغ فيه، فبلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية 11.20 جنيه، بينما بلغ في السوق الرسمية 8.8 جنيهات قبل قرار تعويم الجنيه الذى صدر فى تناقض مع الحالة الاقتصادية شديدة التردى ووصل سعر الدولار بعدها فى السوق الموازى إلى 20 جنيها، مع عجز لدى الجهاز المصرفي في توفير الدولار وباقي العملات الأجنبية وفى البنوك تجاوز الـ18 جنيها!!!، وانعكس ذلك على الحياة اليومية لغالبية المواطنين المصريين، خاصة بعد رفع أسعار الوقود، وانخفضت قيمة دخل المواطن المصرى الشرائية بشكل فعلى إلى 50%.
من التفاؤل إلى التشاؤم الشرس
وتحول الخطاب السيساوى من التفاؤل إلى التشاؤم الشرس، وبدلا من الوعود ظهرت التبريرات التى وصلت إلى محاولة التقليل من شأن التعليم، فى ظل وجود الأزمات الاقتصادية، وذلك فى إشارة إلى تقليل ميزانية التعليم، بعد ما حدث ذلك مع ميزانية الصحة وهى المنظومة الأكثر انهيارا فى مصر.
وكما ذكرت فى نفس الوقت، وبشكل مواز لحالة الافقار والانهيار التى تحيط بغالبية الشعب المصرى، فإن هناك حالة إثراء مبالغ فيها بين الطغمة الحاكمة ورجالها الفاسدين من رجال أعمال وإعلام ودولة.
المتابع للمسألة المصرية يلاحظ بسهولة مدى الانهيار الداخلى فى الأمن وفى المظاهر المعيشية التى أحاطت بالحياة اليومية للمواطن، والتى وصلت إلى حد الجوع والانهيار الصحى والتعليمى والثقافى، وما يستتبعه من انهيار أمنى شديد فى مقابل زيادة الأمن السياسى شراسة.
وأما عن الوضع الخارجى فحدث ولاحرج عن حالة الهوان والاستهتار التى أحاطت بمكانة مصر نتيجة التوتر والتخبط فى السياسات والمواقف بسبب الوضع الاقتصادى المتدنى، والذى انقلب بالدولة المصرية إلى دولة متسولة على المستوى العالمى.
ما ذكرته ليس سوى نقطة فى بحر الانهيار الذى يحيط بمصر، فإذا كانت المائة يوم التى اتخذناها معيارًا لمحاسبة “مرسى” توجب إقالته مرة، فإن نتائج الألف يوم التى حكم فيها السيسى توجب إقالته عشر مرات بل ومحاكمته.
__________________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
