د. عبد التواب بركات يكتب: إلغاء الجمارك على الدواجن الروسية

انبطح النظام في مصر أمام الحليف الروسي، طمعا في كسب شرعية دولية يفتقدها منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، وزار روسيا وفد الهيئة المصرية العامة للخدمات البيطرية. يتبع
عبد التواب بركات*
![]() |
أثار قرار رئيس الوزراء المصري في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بإعفاء كميات الدواجن المجمدة التى ستستورد أو تم استيرادها خلال الفترة من 10 نوفمبر وحتى 31 مايو/أيار 2017 من الضرائب الجمركية البالغة 30% شكوكا بشأن مصداقية النظام القائم في رعاية مصالح الشعب والمحافظة علي سيادته واحترام القانون، بسبب مراوغته في الكشف عن مبررات إصدار القرار ودواعي تطبيقه بأثر رجعي من 10 نوفمبر، بدلا من 28 نوفمبر تاريخ نشر القرار بالجريدة الرسمية، ورفضه الإفصاح عن الشركات والجهات التي استفادت من القرار حتى إلغائه في الخامس من ديسمبر اللاحق وبلد منشأ الدواجن، التي تضحي من أجلها الحكومة بمصالح الشعب.
وفي الوقت الذي أصدر فيه عبد الفتاح السيسي قرارا بفرض رسوم جمركية إضافية على 364 سلعة بنسب بين 50 إلي 500% لتشجيع الصناعة الوطنية كما يزعم، يصدر رئيس وزرائه قرارا مضادا لإلغاء الرسوم الجمركية، بل ويفرض ضريبة مبيعات إضافية على بعض خامات أعلاف الدواجن!
لا مبررات للقرار
اتحاد منتجي الدواجن لم يجدوا للقرار مبررا واحدا في ظل وفرة الإنتاج المحلي واستقرار الأسعار رغم زيادة أسعار العلف والأدوية بنسبة 100% والسولار بنسبة 40% وتعويم الجنيه أمام الدولار وفقدانه 50% من قيمته السوقية مع استمرار خسائر المنتجين بسبب هذا الوضع المقلوب. أرباب الصناعة وخبرائها قالوا إن القرار يدمر صناعة محلية مستقرة وناجحة وتحقق اكتفاءً ذاتياً بلغ 90% فى اللحوم و100% في بيض المائدة، ويعمل فيها أكثر من 2.5 مليون عامل يعولون أكثر من ثمانية ملايين مصري، باستثمارات تزيد عن 50 مليار جنيه، وهى السلعة الوحيدة التي حققت اكتفاءا ذاتيا، منذ عام 1999 وحتي 2006، وكذا فائض للتصدير قبل تلاعب حكومة أحمد نظيف بهذه الثروة الضخمة والذي أصدر قرارا مشابها بإلغاء رسوم الجمارك علي واردات الدواجن المجمدة وقيمتها 32% في حينه.
إهدار المال العام وتدمير الصناعة الوطنية
رغم تصريح وزير التموين، اللواء محمد مصيلحي، في مؤتمر صحفي بمقر مجلس الوزراء منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي بأن احتياطي الدولة من الدواجن 10 شهور، ورغم أن إجمالي فجوة الدواجن لا تتجاوز 100 ألف طن من إجمالى استهلاك مصر البالغ مليون طن سنويًا، لكن نوابا بالبرلمان كشفوا عن استيراد 147 ألف طن دفعة واحدة. وطبقا لتصريحات أعضاء البرلمان لموقع، برلماني، يوم 5 ديسمبر/كانون الأولر، تم استيراد صفقة الدواجن باعتمادات مستندية من البنك المركزي بالسعر الرسمي 8.88 جنيه للدولار لجهات بعينها بالإسناد المباشر وبعيدا عن قانون المناقصات وهو فساد في حد ذاته، هذا رغم امتناع المركزي عن تمويل سلع إستراتيجية وأدوية أكثر حيوية بحجة نقص الدولار!
الدواجن تم استيرادها بسعر 1500 دولارا للطن، ليصل في النهاية سعر الجملة شامل الجمارك 20.70 جنيه للكيلو قبل تعويم الجنيه، ليخسر المستورد نصف دولار في كل كيلو بعد التعويم باجمالي 1.323 مليار جنيه، أو تباع بسعر 38 جنيها للكيلو وساعتها لن يشتريها أحد، لأن سعر الدواجن المحلية الطازجة ثابت في حدود 20 جنيها! ما استلزم تدخل رئيس وزراء، شبه الدولة، بإصدار قرار ملاكي لجهات مخصوصة بإلغاء الجمارك على الدواجن المستوردة ليحرم خزانة الدولة من رسوم جمركية تتجاوز المليار و111 مليون جنيه!
المستوردون يتبرأون
المفارقة في القرار أن رابطة مستوردى الدواجن رفضت القرار على لسان رئيسها الذي صرح للمصري اليوم بتاريخ 30 نوفمبر، أن رئيس الوزراء انفرد بالقرار دون مشاورة مع الأطراف المعنية، ورغم اعترافه بالمشاركة فى صدور قرار إعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك عام 2006 ثم خفضها لاحقا من 80% إلى 30%، فإنه يرفض القرار خاصة أن السوق تعانى تباطؤا شديدا فى الاستهلاك تزامنا مع دخول الصيام لدى الإخوة المسيحيين، مع تكدس كميات كبيرة من الدواجن المستوردة فى الثلاجات ولا يمكن تصريفها، بسبب ارتفاع سعرها مقارنة بالأسعار المحلية وكفاية الإنتاج المحلى.
شعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية بدورها أكدت على لسان رئيسها استحالة قدرة رجل أعمال واحد على استيراد 147 ألف طن دواجن مرة واحدة وأن البنوك المصرية لن تقبل فتح اعتمادات مستندية لاستيراد هذه الكمية الضخمة التي يتجاوز ثمنها 235 مليون دولار، 4.230 مليار جنيه!
جهات سيادية
في ظل التعتيم الرسمي والتضليل الإعلامي الذي يمارسه النظام بشأن صاحب الصفقة وبلد المنشأ، كشف الرئيس السابق لاتحاد الغرف التجارية، وهو أحد مستوردي الدواجن، عن مفاجأة في برنامج صباح دريم المذاع عبر فضائية دريم، وهي أن 70% من الصفقة، تخص أجهزة سيادية وأن 30% فقط تخص رجال أعمال.
ورغم تأكيد وزير المالية، تحت قبة البرلمان، أن قرار الحكومة بإعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك لم يصدر لصالح أى رجل أعمال، حاولت الأذرع الإعلامية للنظام تضليل الرأي العام وإلصاق تهمة التربح من قرار إلغاء الجمارك برجال أعمال مقربين من النظام وفاسدين فعلا، مثل رئيس اتحاد الغرف التجارية الملقب بشهبندر التجار، لكن الاتحاد العام للغرف التجارية أصدر بيان أكد فيه أنه لم يستفد من القرار أي من شركات القطاع الخاص.
اتهم نواب بالبرلمان رئيس مجلس النواب، على عبد العال، بالتستر ورفض طلبات للنواب باستجواب رئيس الوزراء بشأن قرار إلغاء الجمارك بل وامتنع عن مطالبة الجمارك بالكشف عن مواعيد وصول الشحنات وأسماء الجهات المستوردة وبلد المنشأ. جريدة النبأ الموالية للنظام فجرت مفاجأة وكشفت عن الجهة السيادية صاحبة الصفقة والمستفيدة من القرار، وقالت إن الصفقة تخص شركة ميدي تريد التي تتبع جهاز المخابرات المصرية! وأن رئيس مجلس إدارتها الحالي هوعسكري برتبة لواء أركان حرب، ورئيسها السابق هو اللواء محيي الدين العارف، الذي شغل منصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حتى عام 2007 وتوفي عام 2014، (راجع جريدة النبأ الصادرة في 17 ديسمبر الحالي).
خيانة وتواطؤ
خططت روسيا لاقتحام سوق اللحوم والدواجن في مصر لأول مرة في تاريخهما لمواجهة القيود والعقوبات الأورأمريكية المفروضة عليها مع انخفاض الطلب على الدجاج في روسيا مقابل النمو السريع في قطاع الداجني الذي سجل تخمة في السوق المحلية وتراجع في الأسعار وخسائر للمنتجين الروس، ما دفع الحكومة الروسية للضغط على النظام في مصر لاستقبال الدواجن الروسية المجمدة.
روسيا التي تلاعبت بسيادة مصر وأجبرتها على التخلي عن سياستها المتشددة تجاه القمح الروسي الملوث بالإرغوت السام، نجحت بداية 2016 في إنجاز اتفاقيات تصدير دواجن مجمدة بكميات كبيرة، توقع مسئولون روس أن تصل هذه المبيعات إلى 260 مليون دولار بنهاية 2016، وهو ما تناقلته وسائل الإعلام الروسية والعالمية، مجلة اللحوم الدولية في 6 أبريل/نيسان، مع وعود من وزير التموين السابق خالد حنفي بإعفاءات جمركية في المستقبل!
في المقابل انبطح النظام في مصر أمام الحليف الروسي، طمعا في كسب شرعية دولية يفتقدها منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، وزار روسيا وفد الهيئة المصرية العامة للخدمات البيطرية في مارس وأجاز 13 شركة دواجن للتصدير، وفتح السوق على مصراعية وبشكل غير مسبوق، أمام الدواجن الروسية المجمدة في خطوة هي الأولى من نوعها، إذ لم تكن مصر تستورد أبدا مثل هذه السلع من روسيا قبل الأزمة. عضو شعبة الجزارين بالغرفة التجارية بالقاهرة قال إن “اللحوم والدواجن البرازيلية هي الأفضل جودة والأفضل سعرا، وهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها أن مصر ستستورد الدواجن من روسيا” وهو ما نقلته ميدل إيست أوبزرفر في 26 نوفمبر الماضي!
باسم عودة الغائب الحاضر
المشكلة الأساسية في صناعة الدواجن هي الذرة الصفراء التي تمثل 60% من تكاليف إنتاج الدواجن، ويتم استيرادها من الولايات المتحدة ويحتكرها أحد رجال أعمال المخلوع مبارك وتباع في مصر بضعف السعر العالمي، ما جعل صناعة الدواجن في مصر مثل فيل ضخم يمشي على رجلي كتكوت! ولولا هذا الاحتكار لانخفضت أسعار الدواجن إلي النصف ولأصبح سعرها في متناول الفقراء الذين لا يملكون ثمن اللحوم الحمراء، ولحقق المربي هامش ربح يشجعه علي الإنتاج طوال العام وتشغيل مزيد من الشباب الذين يعاني 13 مليون منهم البطالة.
وزير التموين باسم عودة في حكومة هشام قنديل دشن مشروعا للاكتفاء الذاتي من الذرة الصفراء بالاشتراك مع اتحاد منتجي الدواجن ووزارة الزراعة، المشروع كان واعدا يوفر 1.6 مليار دولار تدفعها مصر في استيراد الذرة، لكن نظام الثالث من يوليو أجهضه طمعا في الرضا الأمريكي وتأييد الحليف الروسي، في الوقت الذي يتهم فيه وزير الزراعة المصري منتجي الدواجن المصريين باستنزاف 1.6 مليار دولار في استيراد 8.5 مليون طن ذرة صفراء كأعلاف دواجن، بل ويفرض النظام ضريبة مبيعات على بعض خامات أعلاف الدواجن المحلية
________________________
* أكاديمي ومستشار وزير التموين المصري سابقًا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
