نصر الدين قاسم يكتب: ويقول الجزائري.. يا ليتني كنت لاعب كرة

نصر الدين قاسم*
![]() |
“يلعبوا بالدراهم لعب”، و”يقلبوا في الملايين تقلاب” كلمات يرددها الجزائريون للتعبير عن هول ما يحدث في مجال الكرة، وما تتداوله الوسائط الإعلامية من أخبار حول أجور خيالية تحبس الأنفاس يتقاضاها اللاعبون فيما يسمى زورا وبهتانا بـ “البطولة المحترفة”. لم يكن أحد يتصور أن يصبح لاعب غر في كرة القدم الأعلى أجرا في الجزائر برمتها.
لقد ثبت ما كان مجرد حديث مقاه يتبادل أطرافه الشباب والبطالون والمتقاعدون، حول رواتب اللاعبين التي تجاوزت المعقول، ودخلت نطاق التساؤل والاستغراب. فقد كشف معظم رؤساء الأندية أن لاعبيهم يتقاضون راتبا يتراوح بين مليون وخمسمائة ألف دينار (150 مليون سنتيم قديم)، و3 ملايين دينار(300 مليون سنتيم قديم) أي ما بين حوالي 12 ألف يورو، و25 ألف يورو، حسب السعر الرسمي! في بلد لا يتجاوز فيه أجر الأستاذ الجامعي أو الطبيب 80 ألف دينار (8 ملايين سنتيم) (أي حوالي 640 يورو).
• دوري العجائب والغرائب
ورغم هول رواتب لاعبي كرة القدم هذه، فإن الملاحِظ يبقى مشدوها وهو يكتشف أنها (أي هذه الأرقام) لا تخضع إلى أي منطق أو مسطرة.. ذلك لأن أعلى الأجور ليست للاعبين في فرق كبيرة تلعب الأدوار الأولى في هذه البطولة التي لم يبق منها إلا الاسم، فالفريق الذي يمنح أعلى الأجور (ويتعلق الأمر بشباب قسنطينة) يحتل مؤخرة الترتيب، وأضحى مهددا بالسقوط، ويعيش أزمات متلاحقة وصراعا بين مسيريه، فقد ظل من دون مدرب عدة أسابيع أو أشهر، وتداول على تدريبه هذا العام أربعة مدربين.. وهذه مفارقة غريبة ورهيبة.
غير أن المفارقة الأغرب والأكثر مثارة للجدل والتساؤل، أن معظم – حتى لا أقول كل – عناصر المنتخب الوطني لكرة القدم هم من مزدوجي الجنسية، ليس فيهم من المحليين سوى لاعب أو اثنين في أحسن الظروف.. وبالعربي الفصيح فإن لاعبي الفريق الوطني الجزائري فرنسيون من أصول جزائرية “أقنعتهم” الاتحادية الجزائرية بالانضمام للمنتخب الجزائري والدفاع عن الألوان الوطنية بعد سباق شاق ومنافسة حادة مع الاتحادية الفرنسية لكرة القدم، بل إن بعضهم لعب في الفئات الصغرى للفريق الفرنسي. وهذه ظاهرة أثارت جدلا واحتجاجا كبيرين من لدن الفرنسيين بحجة أن هؤلاء الشباب مواطنون فرنسيون، ولدوا في فرنسا وترعرعوا في فرنسا وتكونوا في فرنسا، وعليه فإن فرنسا هي الأولى بخدماتهم، على اعتبار أن بعض أترابهم من اللاعبين الآخرين من ذوي الأصول الجزائرية اختاروا اللعب لفرنسا (بن زيما سمير نصري، فقير وكمال مريم..)
• … احتراف أفضى إلى انحراف!
إن عدم اعتماد اتحادية كرة القدم ومدربو المنتخب الوطني على هؤلاء اللاعبين المحليين الذين يتقاضون أجورا كبيرة، ولجوئهم إلى مزدوجي الجنسية يدل على أن هؤلاء المحليين ليسوا في المستوى وبالتالي لا يستحقون هذه الرواتب وليسوا أهلا لها.. هذا الاستنتاج المنطقي يحيلنا على تساؤل كبير لماذا وصلت الأجور إلى هذه المستويات العليا وتجاوزت سقف المعقول؟
يكاد يجمع المحللون الرياضيون أن قرار الاحتراف كان متسرعا وغير مدروس وهو الذي أحال الكرة الجزائرية على هذه الفوضى الكبيرة، حتى بدا وكأن هدف القرار لم يكن النهوض بالمستوى الفني للعبة الأكثر شعبية في الجزائر والعالم، بقدر ما كان توسيع مجال الاهتمام بعالم الكرة، ليطرح انشغالات أكبر، ويستقطب شرائح وفئات أكثر، ويستأثر بنقاشات أوسع، تضاهي الاهتمام بالقضايا السياسية. لقد أصبحت الشركات المالكة للفرق تدفع دون حسيب ولا رقيب لاستقطاب أحسن ما هو موجود على الساحة (وحتى من الخارج من أفريقيا وفرنسا أيضا) ففتحت الساحة على مضاربات ومنافسة غير قانونية وغير موضوعية بل غير شريفة.
• الانشغالات البديلة.. والفوضى المنشودة
ولأن قطاع الكرة من القطاعات الحساسة التي تحظى باهتمام فئات واسعة من الجزائريين شغوفة بالكرة ومتابعتها خاصة بين الشباب، فقد كان طبيعيا أن يفرز هذا الواقع الكروي المشوّه عدة قضايا ومشاكل وأزمات وفضائح أضحت تشغل الرأي العام الوطني وتستأثر باهتمامه أكثر من اهتمامه بأمور السياسة وأزماتها، ومتاعب الاقتصاد ومصاعبه.. وبفضل هذا الاحتراف والانتقال نحو المجهول أُثريت الساحة الوطنية بتفاصيل ملهاة أخرى فرخت أزمات نُفخ فيها، وفُرضت كواقع خطر داهم يجب أن يحظى بالأفضلية في مواجهته لحاجة في نفس يعقوب :
– فقد طفت إلى السطح ظاهرة الفساد المالي وسوء تسيير الموارد والتلاعب بالملايين، والرشوة بين الحكام، التي أضحت تهما متبادلة بين المسؤولين، ورؤساء الفرق، ومواضيع مطروحة على العدالة، ومتداولة في الصحف، وبرامج الفضائيات. إلى درجة غطى هذا الفساد الكروي على جزء كبير من الفساد الحاصل في جهات أخرى أكثر أهمية وأكثر إيلاما وأشد وقعا ومهلكة.
– واستفحلت ظاهرة العنف في الملاعب حتى أصبحت أزمة وطنية مستعصية، أرعبت الجميع ولفتت انتباه الكثير حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بالكرة.. فقد خلفت ضحايا، وحركت صرامة الرابطة المحترفة المشرفة على تسيير الدوري لتسلط عقوبات مالية على الفرق وتفرض عليهم إجراء مقابلات دون جمهور وما إلى ذلك. ودفعت المسؤولين واللاعبين والأنصار وعامة الجمهور إلى التفكير في أفضل السبل إلى ضمان الأمن في الملاعب، على اعتبار أن مسؤولية الأمن لم تعد من مهام الشرطة والأمن.
– وانتشرت آفة المنشطات والمخدرات والخمور والشيشة والمجون.. في أوساط اللاعبين (تعاطيا وحيازة)، وضُخمت الفضائح ونشرت على أوسع نطاق وصل صداها إلى المحكمة الرياضية الدولية .. وأصبحت فضائح بعض اللاعبين حديث العام والخاص.. والأنكى أن أكبر فضيحة لتعاطي الكوكايين كان بطلها لاعب يتقاضى أعلى أجر في فريقه 450 مليون سنتيم (أي حوالي37 ألف يورو).
– احتد النقاش بين المطالبين بأحقية اللاعب المحلي بالالتحاق بالفريق الوطني، والرافضين لذلك باعتباره أقل مستوى من اللاعب المحترف في الخارج.. وتحوّل الموضوع إلى ملف وطني شائك، شغل الناس، وأثار لغطا وصراعا كبيرين لامس حدود العداوة بين الفصيلين وحتى بين اللاعبين جسّدها التراشق من استديوهات الفضائيات.
• تضاهي الكوكايين!
– بروز صراع أجيال جديد ومواز للصراع الحاصل على الصعيد السياسي، وصل إلى درجة التنابز، يجتهد فيه كل طرف للانتقاص من الطرف الآخر والاستهانة بإنجازاته، فيما عرف بجيل الثمانينيات، والجيل الحالي. صراع يتغذى من كل الآفات السابق ذكرها، على اعتبار أن الجيل القديم كان يتقاضى أجرا زهيدا لم يكن شيئا مذكورا، ولم يكن يحظى بالاهتمام الذي يحظى به هذا الجيل رغم أنه كان السباق إلى تأهيل الجزائر إلى كأس العالم مرتين (في عامي 1982 و1986) وفاز بكأس أمم أفريقيا (عام1990) وهذا ما لم ينجزه الجيل الحالي.
لقد تحولت الكرة ومشاكلها، إلى جانب آفات اجتماعية أخرى، وظواهر أخرى، ومظاهر من التخويف من “الغول” الذي يتربص بنا الدوائر، إلى قضايا بديلة ذات بعد وطني، وانشغالات ومخاطر بديلة، تُقدم على أنها خطر يهدد بنسف الوطن، إن لم ينبر على مواجهتها الجميع لأنها مسؤولية المواطن والمجتمع.. فالكرة كانت وما تزال أفيون الشعوب في الجزائر على غرار الدول المتخلفة، تسبي العقول، وقد أصبح الجميع مدمنا عليها، مهووسا بما يجري في ميادينها وأنديتها، يهرب إليها، وينخرط في المأساة الملهاة بكل ما أفرزته من انشغالات ومخاطر بديلة.. ويقول يا ليتني كنت لاعب كرة.. أو رئيس فريق، أو مدير أعمال لاعب، أو حتى حارسا في الملاعب
_______________________
*كاتب وصحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
