عبير الفقيه تكتب: المهاجر العربي في عيون الأوربيّين

عيون الغربيّين {شاءوا أم أبوْا} أصبحت تتوجّس من سلوك المهاجر العربي في مجتمعاتهم مهما كانت طبيعة العلاقة بين الطّرفين، وتتبرّم من وجوده. يتبع

عبير الفقيه*

   كُلّما اِندلعت عمليّة تفجيريّة في حقّ المدنّيين العُزّل في مكان ما في أوربا أو أمريكا جاء السّؤال عن هويّة المنفّذ  مباشرة هل هو عربي/ مسلم أم لا؟ و كأنّ التّساؤل أصبح يُطرح آليّا في عقولهم عقب كل عمليّة، كما شاء له الواقفون على صناعة الرّأي العام الغربي و العربي.

والعجيب في الأمر أنّ العرب أنفسهم ينخرطون في هذه الشّيطنة و الاِتّهامات التّعميميّة التّي تسعى إلى اِعتبار العربيّ ثمرة شرّ تضرّ بكل أرض يحلّ بها، حتّى ولو كانت أوربا أو أمريكا التي يبقى السّفر إليها حُلما صعب المنال.

 مقابل هذا الرّأي، يجتهد آخرون في التّصدّي لحملة شيطنة هويّة العربي/ المسلم. ويعتبرون أنّ المواطن العربي بريء من حالة الفوضى واِنعدام الأمان والوعي المواطني في المجتمعات العربيّة. والدّليل على ذلك أنّه عندما يهاجر إلى مجتمعات متحضّرة يتصرّف مثل أيّ مواطن آخر بكل اِحترام.

   و لكن هل فعلا نجح المهاجر العربي في إعطاء صورة جيّدة، قادرة على تكذيب اِدّعاءات ناقديه؟
    إذا ما اِستثنينا الفئة الاجتماعية المثقّفة من المجتمع الغربي، فإنّ السّواد الأعظم منه يختصر صورة المهاجر العربي في ذلك الشّخص الأسمر، الذي  يوحي مظّهره الخارجي أو نُطْقه أو لباسه أحيانا بعروبته أو بإسلامه. 

ووعي هذه الأغلبية كثيرا ما يعكس رسائل وسائل الإعلام المسيطرة على المشهد. فتراهم يُردّدون آراء من قبيل أنّ المهاجرين هم من أسباب عدم تعافي مجتمعاتهم من الأزمة الاقتصادية في 2009 مثلا، باعتبارهم غير منتجين. أو أنّ انتشار الحجاب في الشّارع الأوربي سيهدّد الهويّة الغربية في عقر دارها. دون الحاجة إلى ذكر ورقة التّرهيب من اِستقبال اللّاجئين السّوريّين في بريطانيا مثلا، والتي لعبها السّياسيّون وضمنوا بها التصويت الإيجابي لاستقلال بلدهم عن الاتّحاد الأوربي. 

 منظومة قيم أخلاقيّة
   لو اِنطلقنا من هذه المعطيات في وقتنا الحالي، يتّضح جليّا أنّ عيون الغربيّين (شاءوا أم أبوْا) أصبحت تتوجّس من سلوك المهاجر العربي في مجتمعاتهم مهما كانت طبيعة العلاقة بين الطّرفين، وتتبرّم من وجوده. في المُقابل، يصبح العربي/المسلم مُطالب بتقييم كل خطواته مُسبقا باعتباره محطّ الأنظار في الأماكن العامّة. ويأخذ بعين الاعتبار أنّ أيّ هفوة حتّى لو كانت سهوا ستُحسب في مخيّلة الغربي تصرّفا طبيعيّا ينمّ عن شخصيّة تعوّدت الفوضى مثلا. الأكيد أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، ولكن الثّابت أن هناك منظومة قيم أخلاقيّة تحرص عليها كل المجتمعات من أجل المصلحة العامّة، ولو حرص عليها العربي في مجتمعه الجديد لعكست حِسّا مُحترما يساوي بينه و بين جميع المواطنين. ويُكذّب بالتالي جميع الاتّهامات الباطلة المُشيطنة لوجوده.

   على سُلّم المُآخذات التي تضيق بها صدور الأوربيّين، يكاد يكون غياب المردوديّة للمهاجرين هو الأعلى. فالأوربي يسمح لنفسه بوضعيّة الانقطاع عن العمل و لكنه لا يقبلها على “الوافد”، فهو يعتبر نفسه صاحب الأرض (ولا ضرّ إن لم ينتج) في حين أنّه يعتبر المهاجر شخصا غادر أرضه ليعيش على أرض أخرى بهدف تحسين حياته، ولا يتأتّى التّحسين إلّا إذا بذل جهدا. فإن لم يكن كذلك فسيُعتبر اِستغلالا، خصوصا إذا سلّمنا بأنّ المواطن في أغلب بلدان أوربا يتمتّع بالخدمات الاِجتماعيّة الأساسية حتّى و إن كان عاطلا. هذا عن المهاجرين عموما، فما بالنا لو كان المهاجر عربيا، غير منتج، و يتلقّى خدمات من المال العام. 

    يحدث كثير أن يتحدث المهاجرون العاطلون والمتعاطفون معهم عن قيمة و فضل “هجرة العقول العربية” على المجتمعات الغربيّة و كفاءتهم العلميّة و التقنية والتي تصل إلى تعويض خمول بني جلدتهم أحيانا في نفس المجتمع. هذا الخمول الذي يضطرّ له مهاجرون و يختاره آخرون طوْعا، يخوّل للأغلبيّة التّمتّع بخدمات ماليّة عامّة مثل منحة البطالة والإعانات خصوصا في حالات العائلات المتعدّدة الأفراد. المشكل هنا أنّ عديد العائلات التي تعيش بالإعانات، يفوق معدّل إنجابها طفلين لكلّ عائلة، وهي الخُطوة التي تهابُها العائلات الأوربيّة.

   بدرجة أقلّ ينزعج الأووبيّون من تقوقع الجاليات العربيّة على نفسها وتحفّظها الشّديد على الاِندماج في ثقافة المجتمع الغربي حتى على مستوى الاحتفالات والمناسبات. هذا التقوقع يشغل أولياء أمور تلاميذ المدارس والمعاهد المختلطة الذين يتعامل أبناؤهم بشكل يوميّ ويدخلون في صداقات مع أبناء المهاجرين. أمّا السّلوك في الفضاءات العامّة فيكاد يكون المرآة العاكسة لمستوى تحضّر كلّ شخص، و الذي يستفزّ الغربيّين. فترى العيون ترْصد ثم تتبرّم وتلعن أحيانا كلّ متحدّث بصوت عالٍ في وسائل النّقل، أو في قاعات الانتظار،  وكلّ مُقتحم للطّوابير. و قد يعتذر المُخلّ بالأعراف العامّة و يتراجع في صمت. لكن ماذا لو نطقت قسمات وجه المُخلّ بهويّته ، لكْنَته، لباسه (لو كان حجابا مثلا) لِتضيف هذه التّجاوزات إلى الذّاكرة العامّة المشحونة سلفا؟

   كبيرة هي نسبة المهاجرين الخارجين عن القانون وعن نسق التّحضّر في المجتمع الإسباني. و الأسوأ من هذا أنّ من بين هؤلاء المهاجرين، نسبة عالية من الجاليات العربيّة التي حصلت على إقامات دون أدنى وعي بمسؤوليّة تمثيلها لبلدانها في مجتمع مختلط الجنسيات. فتجدها تفتقر إلى الحرص على سُمعة العربي في زمن الشّيطنة، وتُثلج صدور العنصريّين دون أن تدري. سُمعة كادت تذهب أدراج الأكاذيب لولا تألّق قامات كبيرة ونجاحات عائلات عِصاميّة كثيرة ناضلت خارج أرضها لتربية أجيال نفعت المجتمع الغربيّ فثمّن التاريخ والحاضر أعراقها.

_________________

*كاتبة تونسية مقيمة في أسبانيا 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان