عز الدين عبده يكتب: إعادة تدوير البرادعي!

يتصرف البرادعي مع سوق الإعلام وسوق الثورة بأسلوب التعطيش والاحتكار، وإن كنت لا أرى أنه يملك سلعة ليروجها ولا شعبية ليناور بها في مشهدنا القاتم، فما الذي يريده البرادعي ؟ وما الذي يخطط له. يتبع

عز الدين عبده*
بعد غيابه لفترة ليست طويلة، يطل علينا الدكتور محمد البرادعي في حوار تلفزيوني ليتحدث في الشأن العام وغالبا في الشأن المصري خاصة، وبعيدا عن موقفنا السياسي والأخلاقي منه فهي خطوة مهنية جيدة فالصحفي والإعلامي له حق تحقيق السبق أيا كان ضيفه.

لكن اللافت للانتباه  أن البرادعي قد اعتاد أن يتعامل مع الشعب المصري والقضية المصرية ـ التي له يد فيها ـ بمنطق المناورة عن بعد ، فمنذ أن ترك العمل مع النظام العسكري، الذي شاركه البرادعي في الانقلاب على أول مكتسبات ثورة  يناير، ووأد أول تجربة ديمقراطية حقيقية في حياة الشعب المصري، وهو هارب في بلده الثاني النمسا، ولا يشارك في أي عمل ضد الانقلاب ولو حتى من باب تقديم المشورة لتيار طويل عرض، يدفع ثمن وقوفه ضد السيسي من عمره وماله وقوت يومه.

يتصرف البرادعي مع سوق الإعلام وسوق الثورة بأسلوب التعطيش والاحتكار، وإن كنت لا أرى أنه يملك سلعة ليروجها ولا شعبية ليناور بها في مشهدنا القاتم ، فما الذي يريده البرادعي ؟ وما الذي يخطط له.

نسي البرادعي أنه كان جزءاً أصيلاً من الانقلاب على الرئيس محمد مرسي ، وقد اعترف بنفسه أنه تكبد عناء السفر إلى أصدقائه في الغرب ليقنعهم بجدوى القضاء على حكم الإسلاميين وأنه رتب لذلك مع صديقه السياسي والدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون ، الذي كان يعمل رئيسا لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

داس ثوابت الديمقراطية
داس البرادعي بحذائه كل ثوابت الديمقراطية التي تغنى هو بها كثيراً في أوربا ولطالما دعا المصريين للاقتداء بهم ، وصدع رؤوسنا عقب عودته الأولى إلى مصر في عهد مبارك 2009 ليطالب مبارك نفسه بالاحتكام إلى الصندوق وليقول الشعب كلمته في الإبقاء عليه أو اختيار غيره.

لكنه نسف كل ذلك وتواطأ مع العسكر والغرب في إجهاض أو تجربة ديمقراطية في مصر، فقط لأنها أتت بالإسلاميين ! فهل يجرؤ البرادعي أن يرفض أي نتائج يأتي بها الصندوق النمساوي! هل له أن يرفض فوز حزب الشعب أو خسارة الجزب الاشتراكي الديمقراطي ، والعكس!

لقد أسرع الغرب بسحب البرادعي بعد انقلاب السيسي على مبادئ الانقلاب التي اتفق بشأنها مع البرادعي والتي بموجبها قام البرادعي بدور المسوّق أو المروّج للانقلاب على الرئيس المنتخب. أسرع بسحبه ليس لأن البرادعي يكره الدم أو أزعجه ما حدث بقدر ما أن الغرب يرفضون التورط المباشر في الجريمة التي ارتكبها السيسي وقتل خلالها الآلاف بميداني رابعة والنهضة.

أسرع الغرب بسحب البرادعي لإعادة تدويره، وإنتاجه بصورة مختلفة؛ فالغرب نفسه الذي دعم السيسي في الانقلاب عبر زيارات متكررة إلى القاهرة قامت بها مبعوثة الاتحاد الأوربي كاثرين آشتون، هو نفسه الغرب الذي يريد إعادة طرح البرادعي كمشروع سياسي محايد أو متوازن بين صفوف الثورة المصرية في الداخل والخارج ، لذا يسوَّق له باعتباره يملك مفتاح الحل.

تعجبت كثراً من رفاق الصف الثوري الفرحين بإطلالاته المتقطعة، وتعجبت أكثر من تعويلهم على شخصه وعلى فكره ، بل وعلى وصفه بأنه “رمانة الميزان للثورة والحراك ضد الانقلاب”!!

كيف يكون رمانة ميزان لمشروع يدعو لكسر الانقلاب وعودة المسار الثوري الديمقراطي الذي لا يؤمن به البرادعي ، إلا إذا أتى بصنف معين من السياسيين دون غيرهم!

هل يتوقع عاقل منا أن يكون البرادعي مفتاحا لحل الأزمة فقط لما له من علاقات دولية وثقل بين ساسة الغرب؟ نسوا هؤلاء الرفاق أن البرادعي خان كل الثوابت التي من أجلها لملمت المعارضة المصرية نفسها حوله في 2009 وهرولت نحو فيلته الفاخرة لتعلن من بيته تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير، أملا أن يكون له دور في قيادة المعارضة ضد مبارك،  وسارعت كل القوى بجمع التوقيعات المباركة للجمعية وتعيينه رئيسا لها، فما كان منه إلا أن طالبهم بالضغط على نظام مبارك ليحدث إصلاحات دستورية تفسح له المجال كي ينافس مبارك على الرئاسة! لو كانوا قادرين على ذلك لما التفوا حولك يا دكتور.

خلاصة الأمر أنني لا أثق في مجيء البرادعي إلى المشهد مرة أخرى ولا أثق أنه يحمل فكراً يناصر الثورة ومبادئها فهى محاولة من الغرب للالتفاف المبكر على المشهد الداخلي بعدما اقترب من الانفجار ، الذي إن وقع في صورة ثورة فقد يأتي مرة أخرى بحكم الإسلاميين الذين تبين أنهم كانوا يملكون مشروعا وطنياً حقيقياً رغم قلة الحيلة وضعف المؤونة.
فهل يثبت البرادعي عكس ذلك ؟ أم سيكرر خطأه معنا للمرة الثالثة ؟ .. الأيام بيننا.
_______________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان