ابتسام تريسي تكتب: مؤتمر المانحين أفيون لتخدير الشعوب

الدول المانحة تعطي السوريين اللاجئين مساعدات غذائية و”تمنح بشّار الأسد الأسلحة التي يقتل بها هؤلاء، وتدعمه بدعوى الحرب على الإرهاب! يتبع

*ابتسام تريسي

ليس صعبًا على الدول المتفوقة عسكريًا أن تسيطر على موارد الدول “المتخلفة” عن ركب التطور التكنولوجي، فقد سبق وأهّلت تلك الدول بحكّام مهّدوا الطريق أمامها بقمع شعوبهم واعتقال أو تصفية العقول المفكرة وأضعف الإيمان حصرها في وظائف بائسة تستهلك كلّ طاقتها الإنتاجية والإبداعية.

استغلت تلك الدول – عبر منظماتها- حاجات الشعوب الثائرة، وتغلغلت في النسيج الاجتماعي وسعت إلى تفتيته وهدم الثورة من الداخل، وقد نجحت في ذلك خاصة في سوريا.

لم يكن سهلاً تحويل مسار الثورة السورية من ثورة سلمية خرج أبناؤها في مظاهرات تطالب بالكرامة والحريّة وإسقاط النظام، من دون الاعتماد بالدرجة الأولى على النظام القائم، الذي سعى إلى عسكرة الثورة منذ البداية بدس السلاح والمسلحين داخل المظاهرات، بالإضافة إلى اعتقال الناشطين السياسيين والشباب الثوري وقتل الآلاف منهم في المعتقلات تحت التعذيب، مما أدّى إلى خروج الناشطين إلى دول الجوار وتحولهم من العمل في الإغاثة الداخلية وتأمين احتياجات النازحين من المناطق الساخنة “حمص ودرعا” إلى ناشطين يعملون مع المنظمات. وخاصة في تركيا صاحبة أكبر تجمع للناشطين السوريين في غازي عنتاب.

أفيون المانحين

 بحسب فيلم “أفيون المانحين” فإنّ إسرائيل تقوم بشكلٍ ممنهج بتدمير الزراعة مصدر الرزق الأوّل للفلسطينيين، وتترك أصحاب الأرض من دون دخل فيضطرون للذهاب إلى مدينة”سلفيت” شمال الضفة الغربية لاستلام معونات أوربية!

80 ألف فلسطيني يستفيدون من الدعم الأوربي كلّ سنة. وقد استلم الفلسطينيون بين عامي 1993 – 2004 ما يقارب 9 مليارات دولار أمريكي كمعونات أوربية!

قبل “أوسلو” كان الفلاح الفلسطيني يعتمد على إنتاج أرضه. وبعد أوسلو تحكّمت إسرائيل بالأرض والمياه، ودمّرت الزراعة الفلسطينية، وسعت إلى إقامة المصانع في مرج ابن عامر “السلة الغذائية الفلسطينية” للحد من اعتماد الفلسطيني على عمله في الأرض. أصرت إسرائيل على مد المشروع بالماء والطاقة ومنعت الفلسطينيين من استخدام المياه الجوفية، والمشروع أصلاً قام على قرض أوربي وليس منحة!

النتائج المؤسفة، المشروع لم يتم، الأرض الزراعية دُمِّرت، فتحت إسرائيل طريقاً عريضاً لا يستخدمه أحد!

أمّا النساء فقد كن يقمن بعمل طوعي في المناطق الريفية قبل تدخل المنظمات، بعدها تحول عملهن إلى “ورشات عمل” داخل المدن! والفلسطينيات يدركن جيداً أنّ دورهن السياسي تقزّم ولم يعدن يشكّلن ثقلاً في عملية التغيير.

على خطى القضية الفلسطينية

في سوريا كلُّ الناشطين في الداخل كانوا يقومون بعمل تطوعي لا يأخذون عليه أجراً، بل كان أجرهم الاعتقال والتصفية المباشرة والموت تحت التعذيب، ومعظم الناشطين من طلاب الجامعات والدراسات العليا أطباء ومهندسين وصيادلة وعقول بنّاءة.

وتلقفت المنظمات من خرج إلى دول الجوار، وتدخلت أيضاً في منح الدعم للداخل السوري، وحوّلت الناشطين من متطوعين إلى موظفين تابعين لإدارة المنظمة المانحة والتي تتبع معظمها للمخابرات الأمريكية الداعمة عملياً للنظام السوري، وهي بذلك تساعد بشّار الأسد ونظامه على تفريغ الثورة من محتواها وضبط الناشطين العاملين تحت إدارتها وتحويلهم إلى روبوتات، بالإضافة إلى استخدامهم ليقوموا بدور مماثل يمارسونه على الشعب السوري في الداخل المحرر والمخيمات وحتى في دول النزوح. وتلك المنظمات تمنح موظفيها من الناشطين رواتب عالية لا يحلم بها من يملك شهادة دكتوراه ويقبض هؤلاء رواتبهم بالدولار؛ ولكنهم لا يعملون على تطوير قدراتهم واستثمار تلك الأموال في مشاريع تنموية تشغِّل الأيدي العاملة وتسعى إلى بناء إنسان سوري قادر على مواجهة المرحلة القادمة.

من تلك المنظمات منظمة “جول” التي تقوم بترميم المنازل المدمرة وتوزيع سلل غذائية بالإضافة إلى مشاريع مضخات مائية لتأمين مياه الشرب في المناطق المحررة. تقوم المضخة بتأمين المياه للعدد المحدد لها. وهناك نوعان من المضخات “التي تعمل استدامة لوحدها من الجباية” وتلك تستمر أكثر لأنّ الناس تدفع ثمن المياه التي تستهلكها. لكنّها أيضاً معرّضة للخطر الذي يأتي من ارتفاع أسعار الديزل وارتفاع الأسعار أمر واقع لأنّ البترول يأتي من مناطق داعش. إذا أوقفت داعش ضخ المازوت لمدة شهر تقضي على جميع تلك المشاريع. وقد حدث ذلك أيام معارك “مارع” فقد ارتفع سعر لتر المازوت من 80 ليرة سورية إلى 500 ليرة، علمًا أنّ سعر برميل النفط كان 27 دولارًا فقط في الداخل السوري، وهناك مضخات تتوقف عن العمل بتوقف الدعم. المشاريع الخدمية بشكلٍ عام تقف على الداعم، وتتوقف “بتسكير الحنفية” حسب التعبير الشعبي في الداخل. أي بقطع الدعم.

ولا يقاس على تجربة الغوطة في استخدام الطاقة البديلة، لأنّها أيضاً غير قادرة على تشغيل المشاريع الضخمة وتقتصر فائدتها على توفير الإنارة للمنازل.

المانحون يعلمون أنهم يستثمرون في مشاريع فاشلة، بل هم أرادوها كذلك؛ لأنّ المنظمات تسعى لتكوين نخب سياسية مستقبلية مكونة من الناشطين الموظفين تحت إمرتها، وتتنافس على ذلك في الداخل والخارج عدة منظمات دولية.

الدول المانحة تعطي السوريين اللاجئين مساعدات غذائية و”تمنح بشّار الأسد الأسلحة التي يقتل بها هؤلاء، وتدعمه بدعوى الحرب على الإرهاب!

تلك المعونات لا تخلق فرصًا للعمل بل تساعد في جعل الشعب كسولاً وخاملاً يعتمد على المساعدات في تأمين حاجيات حياته، وبطريقة ما يساعد على إطالة عمر الاحتلال الروسي الإيراني الأسدي.

الهدف الظاهر للعيان هو مساعدة اللاجئين في الداخل والخارج، والهدف الحقيقي هو تحويل الجموع البشرية من حالة نشاط جزئي إلى حالة خمول كلي لسهولة التحكم فيها وذلك بعد أن يصير اعتمادها الكلي على السلة الغذائية.

السؤال العالق الآن ما بعد مليارات مؤتمر المانحين في لندن، كيف ستواجه الدول المانحة أزمة آلاف اللاجئين السوريين العالقين على الحدود التركية والحدود الأردنية؟
_______________
*روائية سورية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان