نور الدين عبد الكريم يكتب: الرحم المستعار؛ مثال لحيوية الفقه

مسألة الرحم المستعار ما هي إلا مثال لواحدة من المسائل المعاصرة التي ظهرت نتيجة التقدم العلمي والتقني الحديث، والحكم عليها من ناحية فقهية بشكل علمي ومنهجي، دليل على حيوية الفقه الإسلامي، وتوافقه مع متغيرات ومستجدات كل زمان. يتبع
*نور الدين عبد الكريم
الجمود والرجعية، هما من أكثر التهم التي تكال وتوجه إلى الفقه الإسلامي، من قبل ناقديه ومحاربيه. ولربما يخال إلى البعض أن الحديث في العلوم الشرعية، والاحتكام إليها؛ من شأنه أن ينقل المجتمعات المعاصرة إلى عصور فانية انتهت وانتهى ظرفها، وحكمها، وواقعها قبل ألف عام. بل ربما زعم البعض أن قواعد وأصول الفقه الإسلامي، لا تُناسب التطور والتقدم الذي نعيشه في زمن ما بعد الثورة الصناعية، التي ما لبثت وأن أدخلتنا في زمن ثورة تكنولوجيا الآلات ونظم المعلومات. فبالتالي نجد من بينهم من ينادي إلى لجم انتشار وتشعب العلوم الشرعية، وحصرها عمليًا في قضايا العبادات والطهارة والزواج والطلاق، ومكانيًا في المسجد والمصليات ودور العبادة.
مراحل علوم الفقه الإسلامي
والحق يقال، أن علوم الفقه الإسلامي مرت بمراحل مختلفة منذ نشأتها في عصر الصحابة والتابعين، وحتى عصرنا الحاضر، فقد بدأت مزدهرة متنامية في أولها، ثم انتشرت وتشعبت علومها ومدارسها بعد ذلك، إلى أن حل الضعف والوهن بنظام الدولة العباسية، وسقطت بغداد بأيدي التتار؛ حيث تأثر هذا العلم بضعف الدولة.ووصف المؤرخون تلك الفترة بفترة جمود وركود لهذا العلم، فاتسمت هذه المرحلة بالتقليد والتعصب المذهبي على حساب الاجتهاد والتجديد. ويرى بعض دارسي تاريخ الفقه الإسلامي أنه بقي متقلبًا من حال إلى حال منذ تلك الفترة حتى عصرنا الحديث.
فقريبًا كان ظهور أول تقنين للفقه الإسلامي، وذلك بتأليف مجلة الأحكام العدلية في زمن الخلافة العثمانية، ومن ثم ظهرت في عصرنا الحديث، الموسوعات الفقهية المتعددة والمتخصصة، التي تجمع الآراء الفقهية المختلفة في كل مسألة شرعية، وتدمج بين اجتهادات قديمة وحديثة حسب ما يقتضيه وصف المسألة.
ما أريد قوله من هذا العرض، هو أن علم الفقه الإسلامي علم مبني على فهم القرآن والسنة، واستيعاب مقاصد الشريعة الإسلامية، وإدراك كيفية التعامل مع المسائل والقضايا الشرعية. فالقرآن والسنة هما أول المصادر التي يؤخذ منهما الأحكام الشرعية، وهي نصوص ثابتة ومستقرة، لن يطرأ عليها تغيير أو تحديث بعد أن انقطع الوحي.أما المتغير والمتبدل هو فهمنا لهذه النصوص واستنباط الأحكام منها، والاستدلال بها. وهذا الفهم متوقف على علم ومعرفة العالم الباحث والمجتهد.
ومصداق ذلك قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فكمال النص، دليل كمال الدين. وليس من الإنصاف أن نخطّيء الفقه الإسلامي، ونصفه بالجمود والرجعية. وإنما يمكننا القول أن أحوال العلماء المختصين بهذا العلم مختلفة، ومتأثرة بازدهار الدولة وانحطاطها، وتقدمها وتأخرها، تماما كبقية العلوم الأخرى. فإذا قويت الدولة وتقدمت، تقدم معها كل مجالاتها وعلومها، بما في ذلك العلوم الشرعية، وإن تأخرت تأثرت بذلك هذه العلوم أيضاً.
صالح لكل زمان ومكان
وللتدليل على حيوية الفقه الإسلامي، وصلاحه لكل زمان ومكان، أنقل هنا مثالاً على ذلك مسألةَ “الرحم المستعار”، وهي مسألة علمية حديثة، تفتق بها علم الطب المعاصر والمتقدم، وأوجدها كحل بديل، وعلاج لمشاكل، العقم وصعوبات الإنجاب. هذه المسألة لم تكن معروفة من ذي قبل، وبحاجة إلى الحكم عليها من الناحية الشرعية، ومعرفة رأي الفقه الإسلامي بممارستها.
المقصود بالرحم المستعار، هو أن يتم غرس بويضة ملقحة في رحم آخر، غير الرحم الذي خرجت منه هذه البويضة، ويحتضن الرحمُ الجديد الجنينَ طوال فترة الحمل، حتى تتم الولادة. ويقوم الطب الحديث بتطبيق هذه المسألة بعدة صور:
1-قد يكون التلقيح بين زوجين عقد زواجهما قائم، ويتم أخذ بويضة من رحم الزوجة، وتلقيحها بماء زوجها، ومن ثم زرعها في رحم امرأة أخرى.2-أو قد يتم زرع هذه البويضة الملقحة من الزوجين في بعض الحالات، في رحم حيوان ثديي بشكل مؤقت، ريثما يبدأ نمو الجنين ثم يُعاد إلى رحم الأم.3-أن يوجد تلف في مبيض امرأة، فبالتالي لا تتمكن من إنتاج البويضات، لكن رحمها سليم، فيتم أخذ بويضة من رحم امرأة أخرى، ويتم تلقيحها بماء زوج الأولى، وزرعها برحمها (أي رحم الزوجة).4-وكذلك أن يكون ثمة رجل متزوج لا يستطيع الإنجاب، وزوجته سليمة، فيتم تلقيح بويضتها بماء رجل أجنبي عن طريق الأنابيب، ومن ثم تعاد البويضة إلى رحمها، أو تزرع في رحم امرأة أخرى.
وقد وجهت هذه الأسئلة من قبل أطباء أخصائيين، إلى الأستاذ الدكتور محمد المحروس المدرس، يستفتونه عن أحكامها من منظور الشريعة الإسلامية، وهي كما سبق وذكرت، مسألة مستحدثة لم يرد فيها نصوص، ولم تحدث في الزمن السابق، فبالتالي عمد الدكتور المدرس إلى قياسها على أقرب مسألة فقهية تتفق معها في علة الحكم، ألا وهي الرضاعة، ثم بما إن المسألة متعلقة بالإنجاب؛ فلا بد من تطبيق مقاصد الشريعة، والقواعد الفقهية الخاصة بحفظ النسل والعرض في هذه المسألة. كما أنه لابد قبل كل ذلك من فهم طبيعة المسألة، ودور كل من ماء الرجل، والنطف، والبويضات في عملية الإخصاب.
وبناءً على ذلك خلُص إلى هذه القواعد: وجوب وجود عقد زواج شرعي قائم بين طرفي التلقيح؛ وهما صاحب النطف، وصاحبة البويضة. وفيما يخص الرحم الحاضن، فصاحبته تعتبر في مكان الأم من الرضاعة، وذلك لأن الجنين يكون قد تغذى من دمها وجسدها، وبالتالي تنشأ بينه وبينها “حرمة دموية”، ولكنه ينسب لصاحبة البويضة.
وهكذا يكون الحكم على المسألة الأولى المذكورة سابقاً بالجواز شرعًا، فينسب الطفل إلى الزوج، ويكون له أُمَّان: فينسب إلى أمه صاحبة البويضة، وتعتبر الأم الحاضنة “أما دموية”تنطبق عليها أحكام الأم من الرضاعة. وكذلك يرى الشيخ أنه يجوز في حال الضرورة الاستعانة، برحم حيوان إن أثبت الطب الحاجة إليه، مع ضمان عدم تعرض الجنين لأي تشوه خلقي يطرأ عليه بسبب ذلك.
أما في الحالة الثالثة، فالحكم بعدم الجواز، لوجود خلط بالأنساب في هذه الصورة، فالطفل ينسب إلى صاحبة البويضة، وبالتالي لا يجوز تلقيح بويضتها بماء رجل أجنبي عنها، أو أحد محارمها. أما إن كانت صاحبة البويضة في هذه الصورة هي زوجة ثانية لهذا الرجل؛ فيحكم بالجواز، وبالتالي ينسب الطفل إلى الزوجة الثانية صاحبة البويضة، وتأخذ الزوجة الأولى حكم الأم من الرضاعة كونها هي الحاضنة للجنين.وكذلك حكم بحرمة الصورة الرابعة، لأنها أحد صور خلط الأنساب، فالطفل ينسب إلى صاحب النطف، وهو في هذه الحالة أجنبي عن صاحبة البويضة، وبالتالي هذه أحد صور الزنا.
وثمة أيضا عدة قضايا مرتبطة بهذه المسألة، كزراعة مبيضٍ في رحم امرأة، بدلاً عن مبيضها التالف، أو زراعة خصية لرجل بدلاً عن خصيته التالفة. فذكر الشيخ أن الحكم على هاتين الحالتين مرتبط برأي الطب، فلو ثبت أن البويضات، والنطف، الناتجة بعد الزراعة لن تكون من الجسم السابق، وإنما من الجسم التي زرعت فيه، فهذا يجوز، لزوال علة اختلاط الأنساب هنا. ويفضل الاحتياط على كل الأحوال باستبراء الأعضاء المزروعة لفترة محددة قبل مباشرة عملية التلقيح.
مسألة الرحم المستعار ما هي إلا مثال لواحدة من المسائل المعاصرة التي ظهرت نتيجة التقدم العلمي والتقني الحديث، والحكم عليها من ناحية فقهية بشكل علمي ومنهجي، دليل على حيوية الفقه الإسلامي، وتوافقه مع متغيرات ومستجدات كل زمان.
لقد تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ قرآنه الكريم،وهذا يستلزم أن بقاء الفقه والعلوم الشرعية حتى قيام الساعة، أمر محتم وأكيد.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه