عبد الرزاق قيراط يكتب: هل جفّــفت حركة النهضة منابعها؟

إنّ المتأمّل في تصريحات لطفي زيتون، يلمح اصطفافه في النهج الذي آمن به القياديّ المؤسّس عبد الفتاح مورو في وقت مبكّر، عندما كان يغرّد خارج السرب .. يتبع
![]() |
عبد الرزاق قيراط*
كانت سياسة “تجفيف المنابع” تُعتبر إلى عهد قريب، في أدبيّات الحركات الإسلاميّة، جريمة تستهدف وجودها، ومؤامرة على هويّة الشعوب التي تنتمي إليها. وساد الاعتقاد لدى الأحزاب الحاكمة التي استقرّت في السلطة طوال عقود بأنّ استمرارها في الحكم مشروط بضرورة إجتثات ذلك التيّار ومحاربة أعوانه جيلا بعد جيل. وعلى ذلك الأساس، خاض التجمع الدستوري (حزب المخلوع بن علي) معركته الأمنيّة الطويلة ضدّ الإسلاميّين فقتل واعتقل وهجّر، وقاوم مظاهر التديّن للقضاء على كلّ نفس معارض يرفع شعار “الإسلام هو الحلّ”.
لكنّ المفارقة الطارئة، أنّ حركة النهضة التي تضرّرت من ذلك التضييق، قرّرت أن تتولّى بنفسها تجفيف المنابع التي استلهمت منها مشروعها الإصلاحيّ ورؤيتها الفكريّة إلى نظام الحكم. وتعمل هياكلها ومؤتمراتها المحليّة منذ فترة على دراسة جملة من المقترحات في سبيل خروج آمن من”مستنقع” الإسلام السياسي، بوصفه تيّارا متّهما بجميع الشرور، حسب خصومه الذين عارضوه بشراسة خلال فترة حكمه بمصر وتونس… ومن نتائج تلك المعارضة التي تطالب الإسلاميّين بإجراءات عمليّة للفصل بين الدين والسياسة، برزت مؤشّرات تدلّ على اقتناع حركة النهضة بضرورة التطوّر وتجاوز الوسم الدينيّ الذي يشوّش على المضمون السياسيّ. وفي هذا الشأن، قال القياديّ لطفي زيتون الذي يتنقّل بين المنابر التلفزيونيّة للتبشير بالإصلاحات الجارية: “إنّ حركة النهضة بصدد التطور لتكون أكثر قبولا لدى الناس وأكثر تأهّلا للحكم .. نريد أن نثبت أننا لسنا تنظيما سريا وإنّما حزب شفاف”، ولتوضيح المقصود بالشفافيّة أضاف زيتون خلال استضافته على قناة الحوار التونسي: ” مهمّتنا في الحكم تسيير الدولة لا تغييرها، فالدولة لا تقبل جماعات لديها أجندة مختلفة عن أجندتها ولا تقبل تنظيمات سرية أو طوائف تحكمها.. ولكن تقبل الدولة الديمقراطية التعامل مع أحزاب لها برامج وتعهّدات تلتزم بها”.
برامج لا شعارات؟
إنّ المتأمّل في تصريحات لطفي زيتون، يلمح اصطفافه في النهج الذي آمن به القياديّ المؤسّس عبد الفتاح مورو في وقت مبكّر، عندما كان يغرّد خارج السرب، متمسّكا بضرورة أن ترتكز المعالجة السياسيّة على برامج وخطط مقابل الابتعاد عن الشعارات “الفارغة” كما وصفها ضمن حوار صحفيّ سئل فيه عن شعار”الإسلام هو الحلّ” فقال:” هذا شعار فارغ درج على ألسنة الشعوب وعلى ألسنة قادة الحركات الإسلامية من دون وعي بمضامينه… الحلّ هو الذي سنقوم نحن باستنباطه وبنائه على قاعدة (أنتم أعلم بأمور دنياكم)”. وهكذا يستفزّ الشيخ مورو المروّجين لبعض القناعات الزائفة كعادته في الكثير من تصريحاته. وقد تعرّض بسبب ذلك للانتقاد الشديد، وارتفعت أصوات غاضبة تطالب بعزله، كما دُعي في غير مرّة إلى “الانضباط والانسجام مع توجهات الحركة”. لكنّ مورو استمرّ في التعبير عن أفكاره الجريئة إلى أن أصبحت مسارا بديلا ومنهجا متبعا لتحويل النهضة إلى حزب سياسيّ واقعي فيه بشر يصيبون ويخطئون. وفي هذا المجال، اتّهَمَ الشيخ المشاكس أهل السياسة بالكذب دون أن يستثني النهضاويّين فقال: “جميع السياسيّين لا يملكون برامج عمليّة لحلّ المشاكل العالقة، وأغلبهم يتاجرون بأصوات الناخبين، لا أخاف منكم كلّكم كذّابون بما فيكم النهضة!”.. واللافت في ذلك القول أنّ همّ الشيخ مورو منصبّ على ضرورة أن تتجاوز الأحزاب السياسيّة بما فيها حركة النهضة ادّعاءاتها بأنها تمتلك الحلول السحريّة في إطار جدل أيديولوجيّ عقيم، ضيّع الكثير من الوقت والجهد بعد ثورة واضحة الأهداف تطالب بالحريّة والتشغيل الضامنَيْن للعيش الكريم.
فصل بين توأمين
المعركة ليست أيديولوجيّة، ذلك هو المبدأ المهمّ الذي نبّه إليه عبد الفتاح مورو في قوله الحاسم: “يجب عليهم ألاّ يعتقدوا بأنّ معركتهم أيديولوجية. المعركة الحقيقيّة هي تجنيد الشعوب من أجل العمل والبناء والتنمية”. والواضح أنّ حركة النهضة اقتنعت بذلك الواجب بعد تجربة الحكم، وهي ساعية إلى التخلّص من حبائل الأيديولوجيا، وعازمة على الفصل بين الوظيفة الدعويّة والنشاط السياسيّ. فالديمقراطيّة الناشئة سمحت للمجتمع المدنيّ بتلك الأنشطة التثقيفيّة الاجتماعيّة، وقد حصلت مئات الجمعيّات على التراخيص القانونيّة للقيام بدورها التوعويّ أو الخيريّ، ما يجعل الأحزاب السياسيّة في حلّ من تلك المهامّ.
غير أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرّد الفصل بين الدعويّ والسياسيّ، بل يتجاوزه إلى إمكانيّة الاستماع إلى أصوات أخرى تدعو حركة النهضة وغيرها من الأحزاب الإسلاميّة إلى “تونسة” مشروعها وبرامجها والانخراط بوضوح وصدق في العمل السياسيّ المدني الذي يتعارض مع كلّ خطاب يخلط الدينيّ مع السياسيّ. وردّا على تلك المطالب، نفى رئيس حركة النهضة مرارا تبعيّة حزبه إلى التظيم العالميّ للإخوان المسلمين. وعبّر، في حلقة من برنامج “في العمق” على قناة الجزيرة، عن عدم ارتياحه لتصنيف حركته ضمن “الإسلام السياسيّ” قائلا:” لا نرتاح لتسمية الإسلام السياسي بل نحن مسلمون ديمقراطيون”… وإمعانا في تجميل الواجهة، ذكر قياديّون في الحركة أنّ التفكير متّجه إلى تغيير اسم الحزب، والتخلّي عن مجلس “الشورى” وتعويضه بمجلس وطنيّ…
ومع ذلك، وبالرغم من كلّ ما تقدّم ذكره من مبادرات، مازال خصوم النهضة على ريبتهم وشكوكهم، وهم في انتظار مؤتمرها المقبل الذي سيشهد عمليّة الفصل بين توأمي الدين والسياسة. فهل ستنجح تلك العمليّة المعقّدة لتطمئنّ القلوب وتهدأ النفوس، وينصرف الجميع إلى معالجة أمراض الوطن وتشوّهات الاقتصاد؟
يتوقّف ذلك على قدرة الجرّاح وخبرته في الفصل والعزل وتجفيف منابع الجروح بأقلّ ما يمكن من الأضرار. ولن يطول الانتظار!
_____________________________
*كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
