عبد القادر عبد اللي يكتب: العملية البرية أثمرت قبل الزرع

بركة وصول طلائع القوات السعودية إلى تركيا كبيرة جداً على الأتراك وقد بدأت تقطف ثمارها قبل أن تبدأ العمليات العسكرية فعليًا. يتبع

عبد القادر عبد اللي*

 
قبل وقفة عيد الحب في 13 فبراير/ شباط لم يكن أحد يبالي بأخبار التحالف الإسلامي الذي سيدخل مع التحالف الدولي لقتال “داعش” في سوريا. لأن القضية السورية عندما كانت سهلة، والتعقيدات أقل بكثير لم تسمح الولايات المتحدة لأحد بتغيير التوازنات القائمة في سوريا، واضطر المسؤولون الأتراك بمن فيهم رئيس الجمهورية لابتلاع كلامهم الكثير الذي أطلقوه فيما بتعلق بالشأن السوري، وتناسي خطوطهم الحمر كلها، حتى باتت نوعاً من التندر.

اليوم تخوض السعودية حرباً شرسة ضد وكلاء إيران في اليمن، وقسم كبير من قواتها مشغول هناك، فهل تستطيع أن تدخل حرباً جديدة؟ من ناحية أخرى صحيح أن تركيا صاحبة أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، ولكن هذا الجيش مشغول أيضاً بحرب لا تختلف عن الحرب السعودية إلا في أن جزءاً كبيراً منها يدور على أراضي تركيا نفسها، وجزء آخر يدور في شمال العراق، فهل يمكن لهذين الجيشين أن يحاربا داعش والقوى المساندة لها؟

بالطبع الحرب بحسب العدو، فهذا يعني أن تركيا والسعودية لا تريان تنظيم الدولة الذي تعلنان أنهما ستحاربانه براً لطرده من المناطق الشمالية من سوريا بالقوة التي تصورها الدول المستفيدة من هذا التنظيم، وهو مجرد شماعة لتمرير المصالح فقط. ولكن تنظيم الدولة ليس وحيداً، فالروس يقدمون له دعماً هائلاً بقصفهم الجوي التمهيدي لقوات المعارضة، والإيرانيون لا يقصرون بفتح جبهات على الأرض ضد القوى التي تحارب داعش.

الأهداف التركية من العملية مع السعودية معلنة وواضحة، فهي تريد سحب الذريعة الأمريكية بدعم قوات حزب الاتحاد الديمقراطي أولاً الذي تتهمه بإجراء تطهير عرقي في المناطق التي يدخلها، وبالطبع هناك أهداف أخرى، أهمها كسب موقف أقوى أمام المنافس الإيراني على مائدة المفاوضات السورية، وقد بدا هذا المنافس في الفترة الأخيرة قد حقق انتصارات كبيرة بعد أن حظي بالدعم الروسي الكبير.

كانت الولايات المتحدة ترفض بشكل قطعي تقوية المعارضة المسلحة السورية، وبمعنى آخر ترفض انهيار أو هزيمة الميليشيات المقاتلة باسم “الجيش العربي السوري”، حتى إنها رفضت القضاء على داعش في سوريا عبر قوات برية تركية بذريعة أن المشكلة لن تنتهي فيما لو قضي على هذا التنظيم، ولكن الظاهر أن رفض الولايات المتحدة القضاء على داعش ناجم عن دور هذا التنظيم بالتوازن بين المعارضة المسلحة والنظام السوري.

يبدو أن دخول روسيا على الساحة السورية حرك هذا الركود. صحيح أن روسيا تقصف أسواقاً وأفراناً وتجمعات بشرية، ولكنها تقصف القوات التي تقاتل داعش أيضاً، وكثيراً ما قال هذا الصحفيون على الأرض دون أن يبال أحد بهم، ولكن الدول الأوربية أيضاً بدأت اليوم تقول إن روسيا تقدم دعماً غير مباشر لتنظيم “داعش”.

لعل الدعم الروسي لداعش هو الذي غيّر الموقف الأمريكي من عملية برية في الشمال السوري، أي خلل التوازن الذي حدث بالدخول الروسي هو الذي جعل الولايات المتحدة تقبل بدخول قوات عربية تركية مشتركة لمحاربة داعش بعد أن كانت ترفض هذا الأمر بشدة.

قبيل وصول القوات السعودية إلى الحدود السورية حدث انقلاب في الموقف الإيراني الرسمي من تركيا. فبعد أن كان هناك خلاف على كل شيء بين البلدين أدى إلى قطيعة، نجد أن هناك مؤشرات على تغيير هذا المشهد بشكل كبير.

كانت هناك مشكلة معلقة بين تركيا وإيران حول الغاز الطبيعي، فإيران تبيع الغاز للعالم كله بسعر تفضيلي رخيص إلا لتركيا فهي تبيعها إياه بسعر أعلى، وتستغل إيران وجود الأنابيب على أراضيها وكلفة تشغيلها الكبيرة، فهي تبتز تركيا بأسعار الغاز، ولكن مع الإعلان عن وصول “قوات الاستطلاع السعودية” إلى تركيا، والتحضير لعملية برية في الشمال السوري ضد داعش، أعلنت إيران بأنها تقبل بالتحكيم الدولي في موضوع الغاز الذي كانت ترفضه، وحتى إنها مستعدة لحل المشكلة بين الطرفين.

بعد زيارة رئيس الجمهورية التركي إلى إيران قبل أقل من سنة بقليل قطعت أشكال التواصل كافة تقريباً بين البلدين بشكل غير معلن، وبعد رفع العقوبات عن إيران وبدأت تظهر هذه القطيعة إلى العلن. وجاءت قضية إسقاط تركيا الطائرة الروسية عاملاً إضافياً، فأصبحت إيران تعلن تأييدها لكل موقف روسي من تركيا حتى قبل نشر القرار الروسي في الصحف الروسية. فعندما منعت روسيا استيراد الطماطم التركي، أعلنت إيران تضامنها مع روسيا، وحظرت استيراد الطماطم التركي علماً أنها لم تكن تستوردها من قبل.

لقد حدثت أمور تشبه المعجزات، وأهمها إعلان إيران إنهاء القطيعة مع تركيا. فهناك مجلس اسمه مجلس التعاون الاستراتيجي يعقد على مستوى الرؤساء في البلدين، وكان هذا المجلس قد عُلق، وجُمد منذ زيارة رئيس الجمهورية التركية إلى إيران في إبريل/ نيسان من العام الماضي وأصبح مجرد حبر على ورق، ولكن السفير الإيراني في أنقرة عشية وصول القوات السعودية إلى تركيا قال إن هذا المجلس سيعقد، وسيزور رئيس الجمهورية الإيرانية تركيا، ويلتقي برئيس الجمهورية التركية، وسيزور رئيس الحكومة التركية إيران أيضاً، حتى إننا وضعنا جدول زيارات للنصف الأول من العام الحالي.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد قال السفير الإيراني بأن “إيران تتفهم القلق التركي من فعاليات حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا”.
صحيح أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين عموماً ليست مهمة جداً إذا لم تصدر عن الولي الفقيه، ولكن بركة وصول طلائع القوات السعودية إلى تركيا كبيرة جداً على الأتراك كما يبدو.. وستتجاوز هذه البركة الطماطم والغاز الطبيعي… وقد بدأت تقطف ثمارها قبل أن تبدأ العمليات العسكرية فعلياً.
____________________________

*كاتب سوري متخصص في الشأن التركي

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان