عبد التواب بركات يكتب: تخفيض دعم القمح.. قرار له ما بعده

رغم تخفيض السيسي للدعم بنسبة 30%، ورغم انخفاض الأسعار العالمية للقمح لنصف ما كانت عليه في عهد الدكتور محمد مرسي، وبسبب فساد المسئولين الجدد زاد الدعم في الموازنة هذا العام 2015/2016 إلي 38.4 مليار، مقابل 26.6 مليار فقط في عهد الرئيس محمد مرسي. يتبع
*د. عبد التواب بركات
يأتي قرار مجلس الوزراء المصري بشراء محصول القمح من المزارعين المصريين بالسعر العالمي هذا العام، مع الاكتفاء بدعم نقدي قدره 1300 جنيه، (150 دولار)، لكل فدان وبحد أقصي 25 فدانًا مع ربط سعر صرف الدولار بالسعر المعلن من جانب البنك المركزى فى حينه، ليناقض إدعاء الحكومة حرصها على تشجيع المزارعين لزراعة القمح بإعلان سعر مجزٍ لسد فجوة الاستيراد التي تجاوزت 10 ملايين طن كأكبر مستورد للقمح في العالم.
القرار جاء بعد إعلان خالد حنفي، وزير التموين، عن استلام أكثر من 5.2 مليون طن قمح محلي هذا العام من المزارعين بفضل سياسة التسعير المجزية، فيما اعتبر المراقبون هذه الكمية زيادة عن الواقع بنصف الكمية، وذلك بتصريح الصحفي إبراهيم عيسي، أحد أذرع النظام الإعلامية القريبة من عبد الفتاح السيسي، علي فضائية أون تي في، بل واتهم أرقام الوزير بالفاضحة، وقال “لا يمكن احتمال السكوت المتواطئ علي مثل هذه الأرقام الكاذبة”، لأن الوزير سمح باستلام القمح المستورد الذي لا يزيد سعره عن 1800 جنيه، علي أنه قمح محلي بفارق 1300 جنيه، ما يعد ذلك بلاغًا للنائب العام بإهدار المال العام يستوجب التحقيق مع الوزير، أو يدافع الوزير عن نفسه ويتهم الصحفي بالبلاغ الكاذب. وكان يمكن حل المشكلة دون إصدار هذا القرار بمنع استلام القمح المستورد في موسم التوريد.
القرار يفقد المزارعين قرابة خمسة مليارات جنيه، بين السعر المحلي والسعر العالمي، ما يعد ضربة قاضية لمزارعي القمح وخراب ديار للفلاحين المصريين، بعد سلسلة من الخسائر تكبدوها مع قدوم السيسي إلي الحكم، بدأت برفع أسعار الأسمدة بنسبة 66%، والسولار بنسبة 75%.
المزارع سوف يخسر أيضاً 1000 جنيه في كل فدان عبارة عن فارق سعر الدولار الرسمي في السوق المركزي وسعره في السوق الموازي وهو الآن جنيه كامل في كل دولار، والفارق مرشح للزيادة مع تزايد العجز في الدولار. هذه السياسة في مجملها ستفقد المزارع قرابة 2300 جنيه، خسائر عن كل فدان قمح قام بزراعته، ما يجعل التخلي عن زراعة هذا المحصول في المستقبل قرارًا لا شك فيه. الخسائر لن تطول كبار المستثمرين لأن 85% من إنتاج القمح المصري يأتي بأيدي صغار المزارعين الذين لا يتمتعون بامتيازات تصدير المحاصيل النقدية ولا يزرعون سوي القمح.
القرار، إذن، يأتي في إطار سياسة السيسي بإلغاء كل صور الدعم، باعتبار أن الشعب المصري وفلاحه الفقير “ادلع كتير ولازم ينفطم” علي حد قوله، بسياسة تغيير شكل الدعم التقليدي من دعم سعر باب المزرعة إلي دعم مقطوع يصرف علي المساحة المنزرعة بالقمح بواقع 1300 جنيه لكل فدان، ثم يلغي هذا المبلغ العام القادم كما فعل مع مزارع القطن العام الماضي.
ضرر بالأمن الغذائي المصري
القرار سيضر بالأمن الغذائي المصري بعد تراجع مساحات القمح، وانصراف المزارع بالفعل إلي محاصيل أخري أكثر ربحية، وهو ما كشفه تقرير رسمي صادر عن شئون المديريات الزراعية في منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، بانخفاض المساحات المنزرعة بالقمح هذا الموسم، إلي 2 مليون و754 ألف فدان مقابل 3 ملايين و340 ألف فدان العام الماضي. بل سيهدر هذا القرار العدالة الاجتماعية ويضع الدولة علي طريق الثورة مرة أخري، علي غرار ما حدث في أزمة الغذاء العالمي في عام 2008، إذ وصل السعر العالمي للقمح قرابة 400 دولار للطن، واختفي الخبز في مصر وتطاولت طوابير الخبز واقتتل فيها الناس بسبب انخفاض الإنتاج المحلي مدفوعا بتدني السعر المدفوع للمزارع، والذي تم تخفيضه في 2009 بقرار مشابه من 380 جنيه للأردب إلي 240 جنيها، لتنخفض المساحة مباشرة من ثلاثة ملايين فدان إلي أقل من 2.5 مليون فدان. وبلغ الغلاء ذروته في عام 2010 جراء هذه السياسة واحتقن الشارع بالغليان والاحتجاجات حتي انفجر الغضب ثورة في يناير 2011.
هذه أسباب بدهية لكثير من الثورات الاجتماعية حول العالم رصدها علماء الاجتماع بوضوح في ثورة يناير 1977 في مصر، حتي باتت أسبابها وسياسات احتوائها أو تجنبها تدرس لكل ديكتاتوريات العالم. وسوف يتكرر هذا في مصر وغيرها من الدول في كل مرة ينصرف المزارع عن زراعة هذا المحصول الإستراتيجي إلي محصول أكثر ربحية، وإن كان هذا المحصول هامشي وغير إستراتيجي، علي شاكلة محاصيل يوسف والي، وزير زراعة حسني مبارك، من كنتالوب وكاكي وعنب وفراولة، وهي السياسة التي توجت اسم مصر بأكبر مستورد للقمح في العالم بحدود عشرة ملايين طن كل عام.
القرار، أيضاً، يظلم المزارع المصري في سياسة التسعير الجديدة، لأن موسم حصاد القمح في مصر يتزامن مع موسم الحصاد في أمريكا، وفرنسا، وروسيا وكرواتيا، والهند، وهي أكبر الدول المصدرة للقمح، في الفترة بين شهر أبريل/ نيسان، حتي أغسطس/آب ، وهي الفترة التي توافق أقل سعر عالمي، ثم يزيد السعر نهاية العام وقد يصل إلي الضعف. القرار كذلك، يضع المزارع في منافسة غير عادلة مع مزارع القمح الأوربي والأمريكي المدعوم من حكومة بلاده في السماد والتقاوي والوقود لنسبة تصل إلي 100% من تكاليف زراعته، وبالتالي يزيد من معدلات الفقر الريفي الذي وصل إلي 75% في صعيد مصر.
القرار، كذلك، يفضح تراجع عبد الفتاح السيسي عن تنفيذ وعوده للمزارعين بقانون التكافل الزراعي في عيد الفلاح، سبتمبر/أيلول قبل الماضي، الذي يلزم الدولة بشراء المحاصيل الإستراتيجية بأسعار مجزية تنفيذاً للدستور الذي أنجزه في العام 2014. بل تجاهل السيسي استغاثة الاتحاد التعاوني المركزي المعبر عن جموع الفلاحين في مصر بالتدخل لإنقاذ مزارع القمح المصري من هذا القرار.
أخيراً، فإن القرار الذي خرج بعد تململ النظام من حجم دعم الغذاء في الموازنة، يذكر المصريين بالوزير الأمين، باسم عودة، الذي أدار وزارة التموين في حكومة الدكتور هشام قنديل وكان عنوان الكفاءة والأمانة. ورغم تخفيض السيسي للدعم بنسبة 30%، ورغم انخفاض الأسعار العالمية للقمح لنصف ما كانت عليه في عهد الدكتور محمد مرسي، وبسبب فساد المسئولين الجدد زاد الدعم في الموازنة هذا العام 2015/2016 إلي 38.4 مليار، مقابل 26.6 مليار فقط في عهد الرئيس محمد مرسي.
_______________
*مستشار وزير التموين المصري سابقًا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه