صلاح سليمان يكتب: حيرة ميركل!

صلاح سليمان*
![]() |
المستشارة الألمانية ميركل حائرة بين تيار المتشددين الراغبين في إغلاق أبواب ألمانيا في وجه اللاجئين، وبين قناعتها الشخصية والسياسية في فتح الأبواب على مصراعيها لهم.
ميركل لم تواجه ضغوطاً ضارية في مسيرتها السياسية مثل تلك التي تتعرض لها الأن، وتدعوها إلى تغيير سياسة الهجرة التي تتبعها، فالمستشارة الألمانية تكاد تكون هى الوحيدة على رأس الدولة الألمانية التي تصرعلى عدم تغير سياستها رغم تهديدات الحزب المسيحي الاجتماعي في بافاريا توأم حزبها السياسي، باللجوء للمحكمة الدستورية الألمانية العليا لمراجعة قرارات المستشارة في شأن سياسة اللجوء.
تعددت صور الاحتجاجات المناهضة لللاجئين في مدن ألمانية عديدة، وتراوحت بين انتقادات حادة حملت عبارات عنصرية إلى مظاهرات لليمن المتطرف، وإلقاء قنابل حارقة على بعض مراكز اللجوء، ووصلت كذلك إلى ما يمكن تسميته بثورة على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد سياسة ميركل، وهناك الآن مطالبات سياسية بضرورة توسيع قائمة البلدان الآمنة أي البلدان المستقرة التي لا يقبل طلبات لجوء لمواطنيها في ألمانيا مثل مبادرة الأمين العام لحزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري “أندرياس شوير ” الذي يسعى من خلالها إلى إدراج كل من المغرب والجزائر على قائمة الدول الآمنة خاصة بعد أحداث كولونيا.
من أمثلة تلك الضغوط غير المألوفة التي مارسها سياسيون ألمان على ميركل ما قام به “بيتر درير” عمدة مدينة اندشوت الصغيرة في إقليم بافاريا، الذي أرسل حافلة تقل 31 سوريا طلبوا اللجوء في بافاريا إلى دار المستشارية في برلين بحجة أنه ليس قادراً على توفير أماكن شاغرة لإسكانهم في المدينة، ومن ثم يتوجب على ميركل التصرف في شأنهم، ووصلوا بالفعل إلى مكتبها في المساء، لكن ميركل ردت بهدوء قائلة إن ترحيل اللاجئين مرة أخرى إلى اليونان لن يمنعهم من العودة إلى هنا مرة ثانية.
نشرت صحف عديدة عناوين مثيرة مثل “حان الوقت لرحيل ميركل ” أو ” ارحلي ” ، كما كشفت صحيفة “فرانكفورتر الجماينة تسايتونج” عن حالة من الغضب انتشرت بين السياسيين الألمان تجاه الحكومة، في حين يعتزم الحزب الديمقراطي المسيحي تسهيل عملية ترحيل الأجانب الذين ارتكبوا جنايات، لكن سياسيين آخرين حذروا أيضا من مغبة التشدد حيال اللاجئين لآن ذلك من شأنه خدمة أحزاب اليمين المتطرف.
إذن ما هو السر الحقيقي وراء إصرار المستشارة الألمانية على عدم تغير سياستها تجاه اللاجئين؟ ـ هذا ما طرحه “هنرك مولر” أستاذ الاقتصاد في جامعة ميونيخ في مقال مهم له في صحيفة ” ماندجر” الاقتصادية وأعقبه بتساؤل آخر: وماذا لو لم يحضر المهاجرون إلى ألمانيا؟ يقول الكاتب: إن ألمانيا ستكون في حاجة إلى عشرة ملايين عامل في خلال العشرين سنة القادمة، فقلة المواليد، وارتفاع سن الشيخوخة، وتقلص الهجرة الأوروبية من أسبانيا والبرتغال ودول أوروبا الشرقية إلى ألمانيا جعل البعض يعتقد أن وجود اللاجئين الأن في ألمانيا جاء في الوقت المناسب ، أيضا ألمانيا تعيش حالة ازدهار اقتصادي كبير ومعروف أن أحد عجائب المعجزة الألمانية الاقتصادية هي توافر العمالة ، فإحصائية معهد بحوث العمال الألماني تؤكد حقيقة العجز العمالي في ألمانيا، وتقول إن ألمانيا في حاجة سنوية إلى 500 ألف مهاجر من الآن وحتي عام 2050 وهذا أمر ضروري لحل مشكلة الشيخوخة وأصحاب المعاشات.
مرت ألمانيا بأعوام تراوحت فيها الهجرة بين صعود وهبوط، ففي الفترة من 1950 إلى سنة 2000 كان متوسط المهاجرين في السنة يصل إلى 200. ألف لاجئ ، وفي الألفية الجديدة انخفضت الهجرة ثم عادت بداية من سنة 2010 إلى النشاط عبر موجة جديدة من الهجرة اغلبهم من المؤهلين عاليا القادمين من الدول الأوروبية ، ثم قلت هذه النسبة بعد التحسن النسبي في اقتصاد الدول الأوروبية ، لكن من المرجح أن يظل التدفق البشري على ألمانيا من الدول ذات معدلات الولادة المرتفعة مستمرا دون توقف.
المشكلة الألمانية مع اللاجئين تكمن في أن تدفق مئات الألوف من المهاجرين بسبب أنهم لا ينتمون إلى الثقافة الأوربية، وهم غير أوروبيين ، مما يولد مخاوف كبيرة من التغير الثقافي و الديموجرافي للسكان في البلاد، وبما أن معظم اللاجئين هم من المسلمين فإن ظاهرة الخوف من أسلمة أوروبا تتزامن مع ظاهرة الإسلاموفبيا، وتجعل هناك نظرة شك وريبة تجاه المهاجرين الجدد .
الحقيقة الثابتة وفق مقال “هنرك مولرف” أن ألمانيا ليس أمامها خيار تواجه به تلك الهجرة، فإذا كانت راغبة في الحفاظ علي نموها الاقتصادي فيجب فتح الباب أمام الهجرة وهذا ما فعلته ميركل خاصة وأنها ليست المرة الأولى في التاريخ الألماني، فمعروف أن هجرة العمال إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية هي التي ساعدت في تحقيق المعجزة الاقتصادية في هذا البلد .
لا يمكن أن تغامر ميركل بمستقبلها السياسي في قضية يراها الكثيرون خاسرة، فهي لاشك درست كافة جوانب القضية وتعرف نتيجتها القادمة وما علينا إلا الانتظار لنعرف من الكاسب أو الخاسر في قضية اللجوء في ألمانيا_________________________
*كاتب مصري مقيم في ميونيخ
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
