سمير طاهر: أطول تحقيق بوليسي في العالم

قد يحسب البعض عدم التوصل الى قاتل “مؤكد” في هذه القضية فشلاً لجهاز الشرطة أو القضاء في السويد. لكن لو نظرنا إليه من زاوية أخرى فقد نحسبه امتيازاً..يتبع
سمير طاهر*
![]() |
قبل ثلاثين عاماً، وبالضبط في مساء الثامن والعشرين من فبراير (شباط) سنة 1986 انطلقت وسط ستوكهولم رصاصتان لتهزا السويد بأكملها، حيث استقرتا في ظهر رئيس الوزراء، الاشتراكي أولوف بالمه. وطوال هذه العقود الثلاثة لم تسترح روح بالمه بمعاقبة قاتله، فالتحقيق لم ينجح في جمع أدلة كاملة ضد أي متهم بالجريمة، وهو ما يزال جارياً الى اليوم ليكون أطول تحقيق بوليسي في العالم.
حدث الاغتيال بعد خروج بالمه وزوجته من دار السينما بعد عرض المساء. وكالمعتاد في هذه البلاد، كان رئيس الوزراء وزوجته يتمشيان في الرصيف كمواطنين عاديين، بلا حماية ولا مرافقين ولا حتى سيارة رسمية بانتظارهما. لم يكن بانتظارهما سوى القاتل.
أجرت السويد تعديلاً في قانونها خصيصاً من أجل هذه القضية. فسابقاً كانت دعاوى القتل تسقط بالتقادم بعد 25 سنة من حدوث الجريمة، ما يعني أن هذه الدعوى كان ينبغي أن تسقط في آذار 2011. فاستبقت الدولة ذلك التاريخ بأن أدخلت تعديلاً على القانون سنة 2010 جعلت فيه الجرائم الخطيرة – من أمثال هذه الجريمة – بلا سقف محدد للتقادم. لا أعلم كم يبلغ اليوم حجم الوثائق والملفات الخاصة بالقضية فآخر تقدير لها كان في عام 2012 حيث كانت هذه المواد تملأ ما يعادل 250 متراً من رفوف الكتب.
بعد مرور ثلاث سنوات على الجريمة ألقي القبض على مشتبه به يدعى كريستر بيترسون. إنه منحرف وخريج سجون حيث حكم عليه سابقاً عن جريمة قتل. وفي أثناء سجنه تعرف على مجرم آخر ليصبحا بعد ذلك صديقين حتى بعد إطلاق سراحهما، وهناك شكوك في أن يكون هذا الصديق هو الذي حرض كريستر على اغتيال رئيس الحكومة.
استدعي الشهود الذين كانوا موجودين في المكان لحظة وقوع الجريمة، وعرض عليهم التعرف على القاتل من بين 12 رجلاً اصطفوا معاً. فتعرف الشهود جميعاً – وكانت من بينهم أرملة بالمه – على رجل بعينه باعتباره هو الجاني الذي رأوه في مكان الجريمة. كان هذا الرجل هو كريستر بيترسون.
لكن مع ذلك ترددت المحكمة في إدانة المتهم. كانت حجج المحكمة هي: أولاً، إصرار المتهم على إنكار التهمة. ثانياً لم تعثر الشرطة على سلاح الجريمة (المسدس) رغم كل وسائل البحث. وثالثاً شكك بعض أعضاء المحكمة في أهمية شهادة الشهود، وذلك بدعوى أن أرملة المجني عليه قد أساءت استخدام شهادتها!
وهنا أتخيل القراء العرب يفغرون أفواههم من هذه الحجج التي تبدو لهم ضعيفة، خصوصاً بالنظر الى هوية المجني عليه وخطورة القضية. أما المحكمة السويدية فقد اعتبرت إنكار المتهم والحجتين الآخرتين كافية لأطلاق سراح المتهم! بل ودفعت له الدولة 300 ألف كرون تعويضاً عن فترة توقيفه. لكن المبلغ لم يرض كريستر المتحذلق فطالب بمليوني كرون كتعويض عن الأضرار!
أثارت تبرئة المتهم ضجة كبيرة ضد القضاء ومحاولات لإعادة المحاكمة، خصوصاً مع ورود معلومات جديدة وشهود جدد أكدوا الاشتباه بهذا الرجل. كانت إحدى تلك المستجدات هي التوصل الى زميل كريستر بيترسون في السجن وصديقه بعد السجن، فقد كانت الأدلة قوية على أن هذا الشخص هو الذي حرض كريستر على ارتكاب الجريمة. وهكذا أوقف كريستر مرة أخرى وتمت مواجهته بالدليل الجديد. وهذه المرة وجد نفسه في موقف أضعف، وصار يعترف مرة ويسحب اعترافه مرة أخرى.
في عام 2004 سقط كريستر بيترسون وارتطم رأسه بالأسفلت، ولم تنجح محاولات الجراحين في إنقاذ حياته. وبعد فترة من موته صرح صديق عمره بأن كريستر قد اعترف له في آخر فصل من حياته بأنه هو قاتل أولوف بالمه.
كان نمط حياة بيترسون يشجع على الظن بأن أحداً أو جهة ما قد دفعته، أو دفعت له لينفذ الجريمة، فالإدمان على المخدرات والخمور قد ألحقت الضرر بقدراته الذهنية، وحاجته الدائمة الى المال جعلته سهلاً على الاغراء أو التحريض، والوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه يمكن أن يصدر منه أي شيء سيء. ومن ناحية أخرى يظل قائماً احتمال أن يكون القاتل شخصاً آخر مجهولاً الى اليوم. وفي الحالتين تعددت الجهات والأشخاص المشتبه بهم والتي كانت تكن الكراهية لأولوف بالمه وتتمنى اختفاءه بسبب مواقفه الدولية والداخلية، فضمت قائمة المشتبه بهم: عناصر من اليمين المتطرف داخل جهاز الشرطة السويدي، منظمة ستاي بهايند شبه العسكرية التابعة لحلف الناتو، إسرائيل، نظام جنوب أفريقيا العنصري، المخابرات الأمريكية، حزب العمال الكردستاني… وجهات أخرى.
قد يحسب البعض عدم التوصل الى قاتل “مؤكد” في هذه القضية فشلاً لجهاز الشرطة أو القضاء في السويد. لكن لو نظرنا إليه من زاوية أخرى فقد نحسبه امتيازاً. فلو وضعنا أمام أعيننا كيف تجري الأمور في دوائر الشرطة والقضاء في بعض بلداننا العربية (سواء في حال اغتيال حاكم أو حتى في الأحوال العادية) وكيف تلفق التهم وتصدر الأحكام فردياً وجماعياً، فلنتذكر أنه في قضية اغتيال أولوف بالمه سارت الأمور كالتالي:
– كلا الحاكم والدفاع يستندان على مواد القانون والدستور، ولا تصدر الأحكام بناء على رأي شخصي للقاضي.
– رغم خطورة التهمة لم يتعرض أي من المشتبه بهم لاعتداء جسدي أو معنوي.
– رغم أن اغتيال رئيس الوزراء جريمة سياسية إلا إنها جرى التعامل معها كجريمة جنائية، وعولجت القضية بمهنية تامة.
– لم يؤد الحدث الى أن تفقد الشرطة رشدها وتعتقل الأفراد على الشبهة.
– شفافية التحقيقات، وذلك انطلاقاً من حق الجمهور في معرفة الحقيقة. فلم يصدر قرار بحظر النشر الصحفي عن القضية كما اعتادت بعض حكوماتنا أن تفعل في أقل من هذه الجرائم.
______________________________
*كاتب عراقي مقيم في السويد
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
