عبد القادر عبد اللي يكتب: عملية أنقرة غباء أم توريط؟

![]() |
عبد القادر عبد اللي*
لو سُئلت عند وقوع تفجير أنقرة الانتحاري الأخير في ساحة قزل آي [الهلال الأحمر] عن الجهة التي تقف وراء العملية، لما ترددت بالقول إن تنظيم “داعش” هو الفاعل، وقد بنيتُ توقعي على أسلوب العملية، والهدف.
فقد نُفذت العملية بسيارة مفخخة في مواقف حافلات نقل داخلي وسط المدينة أمام حديقة يجد فيها البسطاء من الناس متنفساً، وخاصة أنها أمسية يوم عطلة دافئ، انقشع فيه البرد واقترب فصل الربيع بعد شتاء قارص.
ولكن بعد حوالي ساعتين من الانفجار قرأت تصريحَ الرئيس الروسي بوتين حول العملية، فزال هذا التوقع مباشرة. لقد أدان بوتين العملية وأسماها إرهابية دون أن يدين الحكومة التركية “لدعمها الإرهاب” كما يرد في تصريحات الكرملين عادة منذ إسقاط الأتراك الطائرة الحربية الروسية إلى اليوم! هذا يعني أن بوتين يعرف الفاعل ولابد أنه قريب منه ومن المؤكد أنه يعرف بالعملية قبل وقوعها، ولو كانت داعش لاستثمر الأمر بأقصى ما يمكنه استثماره… حتى إن وسائل الإعلام التركية نقلت تعزية بوتين للشعب التركي وعبرت عن الغرابة في تصريحه، وركزت على نقطة عدم إدانته الحكومة التركية في العملية كما فعل في العمليات السابقة.
لم أكن وحدي من توقع هذا، فرفاقي السابقون كافة -ولست آسفاً لأنهم صاروا سابقين- توقعوا هذا، لذلك بدأوا بنشر صور للضحايا الشباب في مظاهراتهم الداعمة لحزب العمال الكردستاني، وقد كتب تحتها: “لهذا السبب تخلصوا منهم” وبالطبع هذا اتهام للحكومة التركية بالعملية، لأن اليسار التركي يعتبر الحكومة التركية داعش، ولكن بعد ساعات قليلة أيضاً بدأ (الرفاق) بإزالة تلك الصور عن صفحاتهم في الفيسبوك، وكأن شيئاً لم يكن.
على صعيد التوقعات فالسفارة الأمريكية كانت أول من علم بالعملية قبل وقوعها، فقد حذرت رعاياها من الاقتراب من الدوائر الرسمية، أو منطقة بهتشلي إفلر الراقية في أنقرة قبل العملية بيومين. وبعد العملية أعلنت السفارة بأنها أبلغت الجهات الأمنية التركية بالمعطيات التي لديها… هذا يعني أن حليفي حزب العمال الكردستاني الأمريكي والروسي يعرفان بعمليته، وأرادا التنصل منها… فماذا عن الحلفاء السياسيين داخل تركيا؟
في عملية أنقرة السابقة نجحت أجهزة المخابرات بتضليل التحقيق التركي لأيام بتحميل الانتحاري هوية مواطن سوري منح على أساسها وثيقة لاجئ سوري رسمية. ولذلك تحفظ رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو هذه المرة، وأعلن بأن لديهم معطيات حول الجهة التي نفذت العملية الإرهابية، ولكنه ينتظر التأكد. في هذه الأثناء أحرزت جريدة معارضة للحكومة التركية سبقاً صحفياً بنشر اسم الانتحارية وصورتها ومعلومات تفيد أنها من حزب العمال الكردستاني، ونسبت المعلومات إلى مصدر في القوى الأمنية.
لو استعرضنا بنك العمليات التي تبناها حزب العمال الكردستاني طوال تاريخه في تركيا لوجدنا أنها أهداف عسكرية أو أمنية، وهناك بعض الأحداث القليلة جداً القديمة في مواقع سياحية كان الهدف منها التأثير على الاقتصاد التركي الذي تُعتبر السياحة أحد أهم مدخلاته، ولكن عملية أنقرة الأخيرة في مركز المدينة مختلفة تماماً عن تاريخ عمليات هذا الحزب، فضحاياها أناس نزلوا في يوم العطلة للترويح عن النفس في منتزه مجاني في لحظة بلغت كثافة الناس فيها الذروة، فهي عملية إرهابية بكل المقاييس، ولا يمكن لأحد الدفاع عنها، وليست ضمن استراتيجية الحزب المعروفة، وهذا ما أبعد التوقع لدى الجميع تقريباً عن هذا الحزب.
في عملية أنقرة السابقة التي استهدفت حافلات خدمة القوات المسلحة تبناها أحد أجنحة حزب العمال الكردستاني، وفتح أهل الانتحاري بيت عزاء، وتوافد نواب حزب الشعوب الديمقراطي والأمناء العامون للأحزاب اليسارية على بيت العزاء، ورفعوا صور الانتحاري، وتباهوا به، واعتبروه بطلاً، ولكن هل يمكنهم اليوم أن يفعلوا هذا مع انتحارية العملية الحالية؟
في الفترة الأخيرة نجح حزب العمال الكردستاني بتحقيق حضور دولي مميز بفضل وجود داعش، وتعاونت معه أهم دول العالم، فغير العلاقات الوطيدة التي تربطه بفرنسا، عادت علاقته مع روسيا الاتحادية كما كانت أيام الاتحاد السوفيتي، وأصبح هناك خبراء عسكريون أمريكيون يدربون مقاتليه في شمال العراق، وتربطه بألمانيا علاقات قوية تقليدية، وبات إدراج اسمه ضمن المنظمات الإرهابية في كل من أمريكا والاتحاد الأوربي مجرد أمر شكلي يحمل مجاملة لتركيا، ليس له أي فاعلية على أرض الواقع. ولكن هذه العملية ستحرج الدول المتحالف معها كثيراً، ولعل الحليف الأمريكي سيكون أكبر المحرجين، ولا يمكن لهذا الحزب ألا يكون مدركاً لهذا الحرج، فما الذي سيقوله للأمريكان؟
عندما ننظر من هذا المنظار تظهر هذه العملية أمامنا على أنها قرار غبي لن يتمكن حزب العمال الكردستاني من التنصل منها بالقول إنها تصرف من وحدات محلية، لأن السيارة اسطنبولية سرقت من مدينة أورفة، ونقلت إلى ديار بكر، ثم جلبت الطالبة الجامعية التي نفذت العملية من مدينة بلق أسير حيث تدرس في الجامعة هناك إلى أنقرة حيث نُفذت العملية، وهذه الإجراءات لا يمكن لوحدة محلية أن تنفذها بقرار منفرد. ولهذا لابد من طرح السؤال التالي: “ما الذي يدفع حزب العمال الكردستاني للقيام بعملية من هذا النوع بعد نجاحه الدولي هذا؟”
ثمة احتمالات عديدة منها أن الجيش التركي قد حقق ضربات موجعة لهذا التنظيم، وخسره كثيراً من قوته، ولعل اليأس دفعه للقيام بعمليات انتقامية ضد أي هدف مهما كان. وهناك احتمال آخر يمكن أن تكون هناك جهة ورطته بهذه العملية لتسحب منه كل النجاحات الدولية التي حققها.
أصبح وضع السلطات التركية اليوم أفضل بكثير أمام الولايات المتحدة الأمريكية والأوربيين في قضية حزب العمال الكردستاني..
________________________________
*كاتب سوري متخصص في الشأن التركي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
