عبد القادر عبد اللي يكتب: الثورة السورية من النافذة التركية

إن تركيا ومع انطلاق الثورة السورية حدث فيها انقسام يشبه تماماً الانقسام الذي نعيشه في البلدان العربية عموماً، والأخطر من هذا أن الإعلام التركي أيضاً دخل حالة الانقسام هذه ..يتبع
![]() |
عبد القادر عبد اللي*
مجال البحث في هذه المداخلة هو الصحافة التركية التي تلعب دوراً في تشكيل الرأي العام. وقد استبعدت الصحافة التركية المترجمة إلى العربية لأن غالبيتها المطلقة لا تترجم بشكل صحيح، وتصل أخطاء الترجمة فيها أحياناً إلى تغيير جذري في الخبر أو التحليل، ومنها ما يجري تعديله عن قصد على ما يبدو لتخفيف اللهجة التي يستخدمها الكاتب وتستخدم عبارة “ترجمة وتحرير” عند نشرها، من جهة أخرى فإن الإعلام التركي الناطق بالعربية أو المترجم لا يستهدف الرأي العام التركي، ولا يؤثر فيه.
مقدمة:
بداية لابد من القول إن تركيا ومع انطلاق الثورة السورية حدث فيها انقسام يشبه تماماً الانقسام الذي نعيشه في البلدان العربية عموماً، والأخطر من هذا أن الإعلام التركي أيضاً دخل حالة الانقسام هذه، ويمكن القول ببساطة إنه تخلى عن دوره الإعلامي، وانحدر إلى درجة يمكن أن نسميه فيها “دعائي” أكثر مما هو إعلام. فهناك كثير من المواقع نسخة عن محطة “الدنيا” السورية، ولعل “أوضة تي في” أشهرها، وحتى إنها تتبادل معها الأخبار، وبالمقابل هناك ما يسمى الصحافة الموالية التي تنحدر في كثير من الأحيان إلى مستوى نشر أخبار الناشطين الإعلاميين ومبالغاتهم. وبالطبع لا يخلو الأمر من بعض الأسماء الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط لدى الطرفين التي تتسم بالموضوعية إلى حد ما، ولكن في زحمة هذه الأخبار تغيب هذه الأصوات، ولا تحظى بالتأثير الجماهيري كثيراً.
بالتوازي مع هذا الانقسام الإعلامي هناك انقسام في المواقف الشعبية، وبالمناسبة، فإن الجريدة بالنسبة للمواطن مثل نوع التبع بالنسبة إلى مدمن التدخين، لا يستطيع تغييره، ولكنه بين حين وآخر يدخن سيجارة ضيافة. وبالتالي فإن الإعلام يخاطب شريحة يعرف أنه يؤثر فيها. يستثنى من هذه الحالة الثابتة المستمرة مؤسسات “قوظا” التي عين القضاء التركي اليوم على أغلب مؤسساتها الإعلامية “قيمين قضائيين”، فإعلام هذه المؤسسة التي تسمي نفسها “جماعة الخدمة” وتسميها الحكومة “الكيان الموازي” ومعروفة عالمياً باسم جماعة فتح الله غولان يشبه الإعلام الموالي، ولكنه بعد الخلاف بينه وبين الحكومة، تحول إلى المعارضة، ونظر إلى القضية السورية نظرة متمايزة قليلاً عن الإعلام المعارض التركي عموماً.
1. مؤسسة آيضن ضوغان:
1. 1. مرحلة المؤامرة:
على مدى سنتين بعد انطلاق الثورة السورية استخدمت وسائل إعلام هذه المؤسسة -وهي الأعرق في تركيا، والأكثر مهنية- لغة مهينة للشعب السوري. وإذا لم تستخدم لغة سندويتش الخمسمائة ليرة وحبوب الجزيرة والماء المهيّج، فقد استخدمت لغة شبيهة إلى حد ما، فيمكن تلخيص نظرتها إلى الواقع السوري كالآتي: “الشعب السوري قطيع غنم، وهو عاشق للاستبداد، وجاءت الإمبريالية الأمريكية وبوسائل عديدة مثل قناة الجزيرة لتحرضه ضد هذا النظام الممانع آخر قلاع مناهضة الإمبريالية في الشرق الأوسط”.
1. 2. مرحلة التطرف الإسلامي:
سهّل ظهور المتطرفين الإسلاميين (النصرة وداعش) على الساحة السورية الأمر على هذه الوسائل، فأصبح المواطن السوري بنظرها متطرفاً إسلامياً يسعى لإقامة حكم الشريعة الإسلامية، وحتى إنها عندما تذكر اسم “الجيش السوري الحر” تضيف كلمة الإرهابي على هذه التسمية. والملفت أن لهذه الوسائل أجهزة رصد قوية، فمثلاً بدأت الصين في فترة من الفترات باتهام الجيش السوري الحر بتدريب ميليشيا من مواطنيها الهون المسلمين الذين يعارضون الحكم هناك، وتورد أخباراً حول هذا الموضوع، واعتقالها بعض الخلايا من هذه الميليشيات، وفي الحقيقة أن الإعلام العربي أو الفارسي الناطق بالعربية لم يورد شيئاً من هذه الأخبار، وإنما كانت وسائل أيضن ضوغان تلتقطها، وتنشرها.
في هذه المرحلة بدأ يُقدم النظام السوري كنظام علماني يريد أن يطبق مبادئ أتاتورك، ولكن الشعب السوري المتخلف يريد تطبيق الشريعة الإسلامية. والملفت في هذه المرحلة والمراحل اللاحقة الإغفال التام للدور الإيراني. ولم يكن هذا الإعلام ينقل من التصريحات الإيرانية سوى تلك الدبلوماسية التي تبدي إيران حمامة سلام تريد تهدئة الأوضاع وإيجاد حل يوقف نزيف الدم السوري، ولكن حكومتي تركيا وقطر هما اللتان تمنعان هذا الأمر، والغريب أن إعلام هذه المؤسسة كان يتجنب ذكر السعودية إلا نادراً، وبقي هذا الأمر على هذا النحو إلى تاريخ وفاة الملك عبد الله وتسلم الملك سلمان، فأضاف السعودية إلى المؤامرة. وتسمي وسائل الإعلام هذه قوات النظام حتى الآن “الجيش السوري”.
1. 3. خلصت… وفساد اللاجئين
صحيح أن كلمة “خلصت” استخدمت في الساحة السورية لأول مرة في الثلاثين من آذار من عام 2011 في مسيرة شارع الحمرا بدمشق، ولكنها لم تستخدم في إعلام آيضن ضوغان حتى نهايات عام 2014 عندما بدأ بعض الدبلوماسيين الغربيين يزورون دمشق. في هذه المرحلة يمكن تلخيص ما ورد في الصحافة بالشماتة من الحكومة، وتقديم النصح لها بالاعتذار من الأسد، والإسراع بزيارة دمشق قبل أن يفوت الأوان، فالغرب عموماً والأمريكان خصوصاً يجرون اتصالات سرية وعلنية مع الأسد، ويجب ألا تخسر تركيا كل شيء في هذه القضية، والعودة عن الخطأ أفضل من الاستمرار فيه، لأن انعكاس هذا الخطأ ليس على الأفراد، بل على تركيا عموماً.
أريد أن أنوه بأن الصحافة التركية قبل الانفتاح الديمقراطي الذي جاء مع حزب العدالة والتنمية كانت تهتم بنشر الجرائم والحوادث أكثر من نشر الأخبار السياسية. لأن الحكم العسكري لا يتيح مجالاً كبيراً للصحفيين للحديث حول قضايا سياسية هامة، والصحفي يعرف بأن انتقاده للحكومة ينطبق عليه المثل القائل: “ما حسن على الحمار، ضرب البردعة” فالحاكم الحقيقي كان الجيش، والحكومة محكومة بقرارات هيئة الأمن القومي التي بقيت حتى العشر الأول من القرن الحادي والعشرين ذات غالبية عسكرية. لذلك لدى هذه الصحافة خبرة في إضافة التوابل والبهارات على اخبار الإجرام والدعارة والنصب والاحتيال. يبدو أن هذه الصحافة استعادت شيئاً من خبرتها القديمة في هذا المجال لترصد أية قضية دعارة أو سرقة أو نصب واحتيال، وتعمل منها قصة يكون بطلها سورياً. وهنا أريد أن أنوّه إلى قضية مهمة وهي التعليقات على الأخبار التي ترد في مواقعها الالكترونية. فعند ضبط شبكة دعارة في مكان ما، ولا يذكر بأن فيها سوريين، نجد أن التعليقات تحت الخبر تقول: “لماذا تتسترون على السوريين؟ أليست هذه الشبكة من عاهرات سوريات؟” وإن لم توجد قضية تستعيد وسائل إعلام هذه المؤسسة قضية ما سابقة على أنها حديثة، على سبيل المثال: رصدتُ حادثة نصب نشرتها جريدة حريت لامرأتين خُطبتا لرجلين، وبعد أخذ هدايا وذهب من العريس، هربتا، وذكرت الجريدة بأن الحادث وقع في مدينة “قوجا إلي” ونشرت الجريدة هذه الحادثة ثلاث مرات، بالصور نفسها في فترات يفصل بينها عدة أشهر. بمعنى آخر عندما لا يجد هذا الإعلام مادة تتعلق بالفساد الأخلاقي حول السوريين، يستخرج خبراً من الأرشيف، وينشره على أنه طازج.
إضافة إلى هذه الأخبار كانت هناك أخبار التهريب عبر الحدود، وضبط آلاف علب الدخان والمخدرات والمحروقات التي لا تغيب عن هذه الصحافة، وبقيت حتى فترة قريبة.
وهنا أود التذكير بتصريح رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال قلتشدار أوغلو قبل حوالي أسبوع ونشرته الصحف التركية كافة: “سنكتشف قريباً أن عالم المافيا في تركيا يديره سوريون” وبالطبع فإن هذا التصريح يجد أرضية مقبولة بسبب كثرة نشر أخبار فساد السوريين.
في هذه المرحلة أصبح اللاجئ السوري في تركيا إما عضو عصابة أو داعش، وكلاها يؤديان إلى النتيجة نفسها
2. الإعلام الموالي:
تناول الإعلام الموالي القضية السورية بتعاطف، وهو ينسجم مع موقف الحكومة التركية، ويقسم الإعلام الموالي إلى قسمين رئيسين، الأول: إعلام الدولة مثل وكالة الأناضول، وهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية التي تستخدم بالاسم المختصر “TRT”، والثاني: الإعلام الخاص القريب من حزب العدالة والتنمية.
2. 1. إعلام الدولة:
لعل إعلام الدولة باستثناء تلفزيون “التركية” الناطق بالعربية هو الأكثر موضوعية إلى حد ما، ولعل السبب هو نقله الأخبار فقط، دون تحليلات، واستقدام محليين سياسيين ليبراليين إلى برامج الحوار. وينقل هذا الإعلام أخبار السوريين بتعاطف، ولكنه أيضاً يميل إلى تهميش الدور الإيراني في سورية إلى حد ما، وتجنبه قدر الإمكان، وبالتوازي مع هذا الأمر دخلت اصطلاح الحرب الأهلية أو بالترجمة الحرفية عن التركية “الحرب الداخلية” إلى هذا الإعلام، مما أدى إلى انطباع عام في التفكير الجمعي إلى وجود طرفين داخليين يتصارعان في سورية، وهذا يساوي بين الضحية والجلاد، ويزيل تماماً فكرة أن هناك طرفاً أو أطرافاً عسكرية أجنبية تحارب في سورية.
ولكن نسبة المشاهدة في تلفزيونات هذه المؤسسة قد انخفضت كثيراً، وتأثيرها لم يعد كبيراً، وأصبح الرأي العام يعتبرها وسائل إعلام الحكومة وليس الدولة، وفي الحقيقة أن الحكومة قد أدخلت كثيراً من كوادرها إلى بنية هذه المؤسسات، وأصبحت أقرب إلى خطها.
2. 2. الإعلام الموالي:
يتحرك هذا الإعلام بحرية أكبر من إعلام الدولة، لذلك فهذا الإعلام هو الأكثر تناولاً للقضية السورية، والقضايا العربية بشكل عام، وكثيراً ما يبرز قصص المأساة السورية، وينقل أخبار المعارك الدائرة على الأرض ويبرز النجاحات التي يحققها الثوار أو تحققها الفصائل خارج داعش، وعندما تكون النصرة مشاركة في معركة ما يتجنب ذكرها قدر الإمكان لكي لا يسيئ للثوار لأن النصرة بالنتيجة هي منظمة إرهابية مرتبط اسمها باسم القاعدة ولا يمكن لعموم الناس في تركيا قبولها. وإذا كان هذا الإعلام يحرص على نقل تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي تبين بأن الإيرانيين محتلين، وخصوصاً التصريحات حول تصدير الثورة الإسلامية، والسيطرة على أربع عواصم عربية، وما يتعلق بمواقفهم السلبية من القضية السورية، فإن اصطلاح “الحرب الأهلية” تسلل إلى هذا الإعلام.
من جهة أخرى يلعب هذا الإعلام دوراً سلبياً غير مباشر بالمبالغة بالمساعدات الإنسانية التي يلقاها السوريين في تركيا، وهذا يخلق لدى جمهور هذا الإعلام انطباعاً بأن السوريين يحظون برعاية تفوق الرعاية التي يحظون بها هم، مما يشكل شيئا من الغيرة لديهم، وموقفا سلبيا من اللاجئين السوريين.
3. إعلام مؤسسات قوظا
3. 1. مرحلة التحالف مع الحكومة:
بقي إعلام مؤسسات قوظا أو فتح الله غولان متعاطفاً مع الثورة السورية، ويمكن القول إنه إعلام موالٍ، ويتطابق في كثير من جوانبه مع ما ينشره الإعلام الموالي حتى أواخر عام 2014، في هذه الفترة كان هذا الإعلام يوجه انتقاداته في بعض الأحيان لمواقف الحكومة على أنها ضعيفة، وليست كافية، ويجب أن تكون أكثر حزماً وقوة بدعم المعارضة السورية.
3. 2. مرحلة الصراع مع الحكومة:
بعد الخلاف مع الحكومة التركية، وما أسماه هذا الإعلام “قضية الفساد” وأسمته الحكومة “المحاولة الانقلابية” لعب إعلام هذه المؤسسة دورَ رأس حربة في التحريض، ولعله كان أكثر حدة من إعلام آيضن ضوغان في قضايا نقد الحكومة ومواقفها من السوريين، وبات يعتبر الحكومة التركية هي المذنبة الوحيدة في القضية السورية. ولكن هذا الإعلام يشترك مع إعلام آيضن ضوغان في قضية عدم تناول البعد الإيراني في القضية السورية، واعتباره إسقاط الطائرة الروسية عملية استفزازية هي جزء من تخبط الحكومة في القضية السورية.
يمكن اعتبار خسارة الثورة السورية إعلام هذه المؤسسة خسارة إعلامية كبرى.
النتيجة:
* عندما نجري عملية حسابية لمتابعي وسائل الإعلام اليسارية والمذهبية “العلوية والشيعية”، والقومية الكردية، ومؤسسات آيضن ضوغان التي يشمل دعمها “اليسار الديمقراطي القومي” و”الليبراليين”، ومؤسسة قوظا نجد أن هناك تحولاً، وخطاً بيانياً نازلاً بالموقف الإيجابي من الشعب السوري وقضيته، فهذه الوسائل تشكل غالبية الرأي العام التركي، ولكي لا نقع بالخطأ بأن الحكومة حظيت بغالبية في الانتخابات وبالتالي فإن غالبية الشعب التركي متعاطف مع الثورة السورية، لابد من التنويه إلى وجود عدد مهم من المصوتين لحزب العدالة والتنمية في تركيا لا يحبون هذا الحزب، وتشير بعض الدراسات إلى أن هؤلاء الناخبين يدلون بأصواتهم في هذا الاتجاه نتيجة ضعف المعارضة السياسية وتخبطها، وفشلها الإداري في كثير من البلديات التي تديرها، وإن وصولها إلى الحكم سيؤدي بالبلد إلى حالة من التخبط تنعكس على وضعهم الحياتي، لذلك فإن نسبة الخمسين بالمائة التي تحظى بها الحكومة، وحتى نسبة 56% التي تقول استطلاعات الرأي الحديثة أن الحكومة ستحصل عليها ليس مؤيدة للقضية السورية.
* لقد رسخ اصطلاح “حرب أهلية” حتى في الإعلام الموالي للحكومة التركية المؤيد لحقوق الشعب السوري، وهذا ينعكس سلباً على النظرة إلى القضية السورية.
* لابد من الاعتراف بأن الإعلام المعارض في تركيا نجح بتشكيل رأي عام مناهض للقضية السورية، وإبراز السوريين كخطر قائم أو كامن، ولعل هذا ما أدى إلى تراجع القضية السورية في الخطاب الرسمي التركي.
____________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
