ابتسام تريسي تكتب: الثورة السورية بين أدونيس وحيدر حيدر!

ينقسم المثقفون في تحديد قيمة شعر أدونيس إلى قسمين، قسم قرأ الشعر ولم يفهمه فأعجب به حد التقديس كي لا يوسم بالجهل من قبل “القسم” الآخر من المثقفين الذي يحللون ويفسرون ويرفعون أدونيس فوق السحاب… يتبع.

ابتسام تريسي*
درجت الديكتاتوريات في كلّ أنحاء العالم وعبر الحقب التاريخية المتعاقبة على استمالة المبدعين والمؤرخين ليكونوا عوناً لها على تكريس السلطة والقمع والقتل. والمعروف أنّ أي مبدع ينضوي تحت جناح سلطة حاكمة ثمنه لا يتعدى وضعه في وظيفة تكتم صوته وتشتري إبداعه.
الوظائف الشاغرة التي تنتظر المبدعين تتمثل في هيئة التدريس في الجامعة أو العمل في الإعلام أو وظيفة في اتحاد الكتاب. يجد المبدع نفسه متورطاً في البداية لكنّه يدافع عن تلك الورطة بكلّ ما أوتي من حجة، ثمّ يغرق تدريجياً في المستنقع حين تصبح المادّة هدفاً بحد ذاتها. تعيد السلطة إنتاج هذا المثقف بصورة جديدة مستغلة إمكانياته بحيث يصبح أداة في يدها يتحوّل مع الوقت ليقوم بدورها التشبيحي الكامل. هذا النوع يتبعه نوع من الطفيليات المتسلقة التي لا علاقة لها بالأدب ولا تملك موهبة أصلاً لكنّها وضعت في موقع إعلامي تمكنت من خلاله من الترويج لأعمالها الهزيلة البائسة والتي لا قيمة فنية لها، ومن هؤلاء وزير الدفاع السوري السابق العماد أول مصطفى طلاس الذي بلغ عدد مؤلفاته ستة وأربعين كتاباً.
 وتظهر تلك النماذج ـ التشبيحية ـ للعلن وتفضح مواقفها في الانتفاضات الشعبية والثورات. وقد عرّت الثورة السورية الكثيرين من المبدعين السوريين من الكتّاب والشعراء والإعلاميين والفنانين، وأبرز هؤلاء وأكثرهم شهرة الشاعر أدونيس والروائي حيدر حيدر والشاعر نزيه أبو عفش.

أدونيس 
“لا تتحقق الديمقراطية مادام الدين هو مرجع القيم!”.
ما يحدث في سوريا ليس ثورة، وأنا ضدّ الخروج من الجامع بشعارات سياسية.
هذه الأقوال التصقت بأدونيس خلال سنوات الثورة السورية، أدونيس الذي يسعى منذ عقود لأنّ يصبح شاعراً عالمياً وأن يحظى بجائزة نوبل للآداب ليس لأنّ الآخرين يرونه شاعراً عالمياً ويستحق الجائزة، بل لأنّه هو يرى نفسه كذلك.
 ينقسم المثقفون في تحديد قيمة شعر أدونيس إلى قسمين، قسم قرأ الشعر ولم يفهمه فأعجب به حد التقديس كي لا يوسم بالجهل من قبل “القسم” الآخر من المثقفين الذي يحللون ويفسرون ويرفعون أدونيس فوق السحاب.
لكن مهما ارتفع أدونيس وعلا وتكبر ورأى نفسه إلهاً فذلك كله لن يطمس بعض الحقائق التي تكمل شخصية أدونيس وتركيبته الشعرية والمعرفية والإنسانية. فأدونيس “كشاعر” قد تلاشت قدسيته بما شاع عنه من سرقته لجهود الآخرين من دون أن يعترف بذلك ولو بمجرد إشارة، فقد  ألف الكاتب العراقي “كاظم جهاد” كتاباً أثار دوياً في الأوساط الثقافية أسماه “أدونيس منتحلاً” ونشر الدكتور “صالح عضيمة” كتاباً تحدّث فيه عن سرقات أدونيس بعنوان “شرائع إبليس في شعر أدونيس”. ونشرت مجلة العربي مقالاً تنسب فيه للأكاديمي التونسي “محمد الغزي” قوله إن أدونيس سرق فكرة ومحتوى كتابه “ديوان البيت الواحد في الشعر العربي” من الكاتب الليبي محمد التليسي!
أمّا أدونيس الإنسان فلم تُخترق قداسته فقط وإنّما نزل إلى الحضيض بنظر الشعب السوري ولا أقول “المثقفين” فبعضهم لم يزل يحمل في نفسه تلك الرهبة من حرمه المقدس الذي لا يلجه إلا أصحاب العقول والمفكرين الكبار.. ومعظم المثقفين لا يريدون أن يظهروا صغاراً يهاجمون قامة كأدونيس بسبب الغيرة وعدم الفهم!
“إذا رأيت عالماً يلوذ بباب سلطان فاعلم أنّه لص”.
ظهرت هذه المقولة في بداية الثورة السورية 2011 بجانب صورة أدونيس وذيلت باسمه على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم يشر من ركّب الصورة إلى أنّ القول لسعيد بن المسيب. وأن من ركّب الصورة على المقولة كان يقصد بها الإشارة إلى دفاع أدونيس عن النظام الحاكم في سوريا، وكراهيته للثورة؛ لأنّ من قام بها هم من “الرعاع” وقوامها الإرهاب مادامت قد خرجت من المساجد!
حيدر حيدر
تقوم تجربة “حيدر حيدر” الروائية في روايته “وليمة لأعشاب البحر” والتي أثارت ضجة كبيرة في مصر أدت إلى إهدار دمه من قبل الأزهر، على أحداث لم يعشها هو، في مدن عراقية وجزائرية وهو سوري، ورأى البعض أنّ عبقرية “حيدر حيدر” جاءت من مقدرته على وصف حياة العراقيين في جنوب العراق في الأغوار والمستنقعات وتحدث عن مشاكلهم كأنّه عراقي، وهذه العبقرية المزعومة التي رآها بعض من كتب عن روايته واعتبرها حكراً عليه وهو الروائي السوري الذي تناول هماً عربياً وغاص في مشاكل لا ناقة له فيها ولا جمل في العراق والجزائر وهذا يدل على اتساع أفق الرؤية عنده وإنسانيته اللامحدودة، يمكن دحض كل هذا بإحصاء للروايات العربية التي كتبها روائيون عن بلدان أخرى لم يعيشوا فيها وعن مشاكل تلك البلاد والقضية الفلسطينية أكبر مثال فليس كل من كتب عنها فلسطيني عاش داخل فلسطين.
والسؤال الذي يطرح نفسه أين إنسانية وإبداع الروائي “حيدر حيدر” في عصر الثورة السورية؟ ولماذا لم تستفزه أحداث يعيشها وتجري في بلده كما استفزته الأحداث التي حصلت في العراق والجزائر؟
أما الشاعر “نزيه أبو عفش” والذي اتسمت رؤيته الفكرية بوشاح من السوداوية منذ بداياته نراه يضع الأمل كل الأمل في شخص “فلاديمير بوتين” لدرجة أنه أعلن على صفحته الخاصة أن اسمه الجديد هو ( نزيه فلاديمير بوتين أبو عفش )
لا شك أنّ السلطة الاستبدادية السورية قد اتبعت النهج ذاته في تصنيع وترويض المثقفين لكنّها وفي حالات كثيرة لم تكن بحاجة حتى إلى ذلك؛ لأنّه وببساطة شديدة استطاعت الثورة السورية أن تفرز مواقف الجميع فمن كانت مصلحته مع الشعب بقي مع الشعب ومن كان يتعالى على الشعب وجد نفسه وبشكل تلقائي في أحضان السلطة المستبدة.
____________________________

*روائية سورية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان