سمير طاهر يكتب: فقاعة القمني (1)

فليس الدافع لهذه المقالة تحامل شخصي وإنما دافعها الرئيسي هو تبرئة العلمانية العربية من الأفّاقين الناطقين باسمها.. حتى بات مفهوم العلمانية المتداول بين هؤلاء المتعلمين هو إنها مهارةُ تسفيه الاسلام

سمير طاهر*

 

هذه الواقعة الطريفة يعرفها عدد من الأصدقاء: وخلاصتها إنه قبل بضع سنوات أطلق الكاتب سيد القمني بياناً أعلن فيه اعتزاله الكتابة وأي نشاط فكري اعتزالاً نهائياً، خوفاً على حياته وأسرته من تهديدات زعم أنه تلقاها بسبب كتاباته الناقدة. وقتها لم أكن قد قرأت لهذا الكاتب شيئاً فاقتنيت عدداً من كتبه على أمل أن أقرأها لاحقاً عند عودتي من سفرة الى مصر. وخلال تلك السفرة سألت أصدقائي من المثقفين المصريين عن هذا الكاتب الشجاع الذي دفع ثمن شجاعته، فسخروا من كلامي ولخصوا لي شخصيته بقولهم إنه مجرد  أُلْعُبان! جادلتهم متسائلاً أين هو “النصب” إذا كان الرجل سيختفي ويفقد فرصته في الكتابة ولن يظهر مجدداً؟ فأجابوني بيقين: بل سيظهر، وسترى! كان أبناء بلده أدرى به مني، فقد تأكدَتْ صحة كلامهم بعد فترة قصيرة، وبانت المكاسب التي جناها من وراء ترتيب مسرحية الاعتزال تلك: فبالتأكيد لم أكن الوحيد الذي دفعني الفضول الى شراء كتبه فمثلي كثيرون، وهو ما عنى قفزة في مبيعات كتبه (سأثبت لاحقاً أهمية المبيعات والمال عنده). كما لم أكن الوحيد أيضاً الذي أحسست بعد قراءة كتب القمني إحساس من اشترى سلعة مغشوشة، بل عاطلة! كما إن صاحبنا بعد عرضه مسرحية الاعتزال لم يختف كما قال، بل بالعكس فقد أثار الموضوعُ – كما كان متوقعاً – فضولَ الفضائيات ووسائل الاعلام مما جعل من الكاتب منذ ذاك ضيفاً دائماً فيها، وأدت هذه الشهرة – بالتالي – الى منافع شخصية أخرى ليست من اهتمام هذه المقالة. فليس الدافع لهذه المقالة تحامل شخصي وإنما دافعها الرئيسي هو تبرئة العلمانية العربية من الأفّاقين الناطقين باسمها.
لقد تولى دراسة التاريخ العربي والاسلامي مفكرون ومختصون منحوا هذا الموضوع عمرهم وعصارة عقولهم، ولكن أعمالهم المهمة انتهت في السنوات الأخيرة حبيسة الأطر النخبوية والأكاديمية، فيما تزدحم وسائل الاعلام الثقافي بأشخاص استعراضيين ليتناولوا هذا الموضوع الحساس بسطحية وخفة، وهم بذلك يصنعون تشويشاً فكرياً بين فئة المتعلمين، انتشرت عدواه بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات مفهوم العلمانية المتداول بين هؤلاء المتعلمين هو إنها مهارةُ تسفيه الاسلام. لهذا قد لا نكون مبالغين إذا أطلقنا على ما يقدمه القمني وأمثاله من الهواة وصف العلمانية المبتذلة.
هذا من حيث المضمون الفكري، أما من حيث الشخصية العلمية فعندما يقارن القمني نفسه بأعلام التنوير العرب فانه يلحق بهم إهانة كبيرة. فعلى العكس منهم، لم تكن الأولوية عنده للمعرفة وإنما لتحقيق مصالح شخصية ومادية. وهنا أعود الى موضوع أهمية المال عند القمني، فأتذكر اشمئزازي من مدى فجاجة هذا الكاتب في رعاية مصالحه المادية عندما وقع نظري على صفحة العنوان من “رسالة الدكتوراه” التي يدعيها والتي تحمل عنوان “رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة” (الطبعة الثانية 1999، صادر عن “المركز المصري لبحوث الحضارة” لصاحبه القمني ذاته)، ففي أعلى الصفحة تستقبل القارئ العبارة الغريبة التالية: “أي نسخة غير موقعة بتوقيع يد المؤلف خطياً تعتبر نسخة مزورة وتعرض البائع والمشتري للمساءلة القانونية”، ثم توقيع المؤلف! نحن إذن إزاء صاحب صنعة محترف أنشأ دار نشر خاصة بكتبه ولديه استعداد لأن يجلس لوقت طويل يوقع مئات – وربما آلاف – النسخ بخط يده لكي يضمن حصوله على العائد المالي، ويهدد من تسول له نفسه بشراء كتابه خلواً من توقيعه! أباحث هذا أم تاجر صلف؟ أم هو تاجر بثياب باحث؟
تكفي قصة الدكتوراه التي يلصقها سيد القمني باسمه لتكوين صورة واضحة عن شخصيته. إنه – ببساطة – يكذب في هذا الشأن، ويصلّح الكذبة بكذبة أخرى، وينتحل درجة علمية لم يحزها، من “جامعة أمريكية بالمراسلة” تبين أنها جامعة وهمية أو نصّابة، ويذكر اسم المفكر فؤاد زكريا على أنه هو الذي منحه الدرجة العلمية لحساب تلك الجامعة ولكن زكريا كذّبه! فقد أكد بأنه لم يمنح القمني – تلميذه في جامعة الكويت – أية شهادة، وأنه لم تكن له يوماً علاقة بأية جامعة بالمراسلة لأنه يعتبر هذه الجامعات تدير عمليات نصب (مقالة يوسف القعيد في جريدة الأهرام، 17 أغسطس 2009).
على كل حال ما كان يهم كثيراً لو أن سيد القمني قد حاز على شهادة علمية أم لا، فانجاز المرء واجتهاده أهم من لقبه أو شهادته. ولكن الادعاء والكذب والانتحال في هذه القضية هي مثالب تنسف مكانة الكاتب وتقف عائقاً بينه وبين قراء كتبه ومستمعيه، فمن حق هؤلاء أن يتساءلوا: اذا كان هذا الشخص قد كذب وضلل في هذا الأمر فما الذي يمنعه من الكذب والتضليل في كتبه؟ وكيف سيثق القراء بكلامه؟
ربما كان القارئ سيتسامح مع هذا الكاتب في أمر اللغط المتعلق بشهادته لو أن رسالة الدكتوراه تتضمن إنجازاً مميزاً، أو لو أنها كانت – على الأقل – بمستوى جيد. ولكن الرسالة نفسها لا تقل بؤساً عن قصة نيله الشهادة العلمية. فهي لا تصلح أن تكون حتى رسالة تخرج من الجامعة، كما سنرى. إنها – ببساطة – مجرد فقاعة، تماماً مثل صاحبها.
 (يتبع)

_____________________________

*كاتب عراقي مقيم في السويد 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان