سمير العركي يكتب: استحقاقات ما بعد 25 من أبريل

التطور ” الكيفي” الذي طرأ على أداء الثورة المصرية يجب ألا تدعه قوى الثورة يتفلت من بين أصابعها، وأن تبتكر من الوسائل التي تتمكن بها من مواجهة توحش أمني سيزداد مع مرور الوقت.. يتبع.

 سمير العركي*

 
مضى يوم الخامس والعشرين من أبريل/نيسان الذي دعت قوى المعارضة المختلفة إلى اعتباره يوما للغضب الشعبي برحيل السيسي ونظامه العسكري، واستكمال ثورة يناير بتأسيس دول العدل والحريات والكرامة الإنسانية .
في الوقت ذاته أراده النظام الحاكم في مصر يوما احتفالياً بذكرى إتمام تحرير سيناء فكان الحشد المدفوع الأجر مسبقاً ، الذي أراد منه ألا تبقى الميادين والشوارع لا صوت فيها سوى الأصوات المطالبة برحيله .
وبعيدا عن المبالغة أو التهوين فإن الحراك الثوري الذي حدث في 25 من أبريل/نيسان كشف العديد من الاستحقاقات الهامة التي يجب على المعارضة والسلطة أن تعيها جيدا : 
 أولاً : لا يمكن فصل هذا اليوم عن الحراك الشعبي المستمر منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، إلا أنه يعتبر محطة هامة في ذلك الحراك ، إذ استمر التئام قوى ثورة يناير والتي بدأت يوم الخامس عشر من أبريل/نيسان، وكانت فرصة مواتية لتدرك قوى يناير المختلفة- التي مازالت تحتفظ بانتمائها للثورة – أن اجتماعها هو الخطوة الأولى لتحقيق أهداف ثورة يناير ، وأن ما تم يوم الخامس والعشرين من أبريل/نيسان كان الخطوة التمهيدية لتحقيق هذه الأهداف، فقد عمدت الثورة المضادة التي قاد أركانها عبد الفتاح السيسي شخصياً منذ الثامن والعشرين من يناير 2011 على تفتيت قوى الثورة والانقضاض عليها فصيلاً تلو الآخر، حتى وصل إلى الإخوان المسلمين فنكل بها أيما تنكيل، وللأسف فقد اتكأ في جميع مراحل التصفية على قوى الثورة نفسها  بما بات معروفاً ومعلوماً للجميع، ومن هنا فإن حراك 25 من أبريل/نيسان موصول الصلة بما تم قبله، بل ويعتبر تطورا مهماً  يجب البناء عليه.
 ثانياً : كشفت تظاهرات 25 من أبريل/نيسان أن الكتلة الحرجة من الشعب المصري مازالت تؤثر الابتعاد والاكتفاء بالمشاهدة رغم حساسية قضية التفريط في الأرض لدى كل مصري، وربما يعود هذا إلى أسباب كثيرة منها فقدان ثقة المواطن المصري في النخب السياسية، وحالة الذعر والخوف التي أشاعها الإعلام الموالي للسلطة في جنبات المجتمع، والتي وصلت إلى المطالبة بقتل المتظاهرين وهو ما عززه الانتشار الأمني المكثف من قوات الشرطة والجيش، إضافة إلى التهديد المبطن بتقويض أمن المجتمع ووضع المواطنين أمام ثنائية إما السيسي وإما الفوضى !! لكن بالرغم من كل ها فإن الظاهرة الأبرز هنا أن الانصراف عن معسكر المؤيدين للسلطة كان أوضح ، فتآكل شعبية الزعيم “المنقذ” لم تعد تحتاج إلى كثير شرح، لذا لم يكن أمام الأجهزة الأمنية من سبيل سوى الاستعانة بالوجوه المكررة والمحفوظة. ومن هنا فإن التحدي المفروض على قوى الثورة المصرية هو كيفية إقناع المواطن الجالس في بيته بالتحرك، وأن القضية لم تعد صراعاً بين العسكر والإخوان بقدر ما هي صراع حول الوطن نفسه وبقائه بعد أن لاح في الأفق أن مخططات التقسيم والتجزئة التي كنا نعدها ضربا من الخيال والتهويل باتت حقيقة، وأن ما حدث في تيران وصنافير مرشح للتكرار في أماكن أخرى  
 ثالثاً:  كان واضحاً للجميع مدى التوتر الذي يصبغ أفعال وتصرفات النظام الحاكم فقد استبق مظاهرات 25 أبريل بحملة اعتقالات طالت جميع الطيف السياسي من أقصي اليمين إلى أقصى اليسار في حملات دهم شملت المقاهي والشوارع وصولا إلى البيوت، وطالت ناشطين وصحفيين، وبدا واضحاً أن هدفها الرئيس ضرب حراك الخامس والعشرين من يناير رغم استباق مؤسسة الرئاسة الحملة الأمنية ببيان نفت ما نشرته جريدة “الشروق” القاهرية من إصدار الرئاسة تعليمات واضحة وصريحة لوزارة الداخلية بالتصدي للتظاهرات وعدم السماح بتمددها، وهو ما اضطرت معه “الشروق” للاعتذار إلا أن الحملة الأمنية عقب الاعتذار بساعات معدودة أثبت صدق ما نشرته الجريدة . كما حرص النظام الحاكم على نشر قوات هائلة من قوات الأمن المدعومة من قوات الجيش لغلق الميادين والشوارع الرئيسة حتى أحال وسط العاصمة القاهرة إلى ثكنة عسكرية .. والسؤال المهم هنا : هل سيستمر النظام الحاكم على هذا النمط في معالجة فشله وإخفاقاته، وهل سيتمكن من تحمل كلفة  الخيار الأمني في مواجهة خصومه ومعارضيه ؟ خاصة مع سريان روح جديدة في الشباب وإصرارهم على التحدي ومواصلة طريق الثورة .
وهكذا فإن التطور ” الكيفي” الذي طرأ على أداء الثورة المصرية يجب ألا تدعه قوى الثورة يتفلت من بين أصابعها، وأن تبتكر من الوسائل التي تتمكن بها من مواجهة التوحش الأمني الذي سيزداد مع مرور الوقت كلما اتسعت رقعة الثورة كماً وكيفاً. وأن تدرك أن معركة الحرية واسترداد الكرامة ليس معركة اليوم الواحد بل هي معركة تراكمية، كما إنها ليست صراعاً ضد النظام العسكري فقط، بقدر ما هي مواجهة شرسة مع قوى الاستعمار التي لن تترك وكلاءها المحليين يسقطون بسهولة!
______________________________

*كاتب مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان