عصام تليمة يكتب: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

عصام تليمة*

هذا الكتاب كتبه الشيخ محمد الغزالي، وهو أكثر كتبه إثارة للجدل، نظرا لجرأته في طرح قضايا مهمة، تحتاج إلى جرأة كبيرة ممن يتناولها، وقد بين الغزالي منهجه في كتابه فقال: (المنهج الذي هداني الله إليه ـ وله المنة ـ أن أعرف الرجال بالحق، ولا أعرف الحق بالرجال! وأن أنظر بتأمل إلى ما قيل ولا أنظر بتهيّب إلى من قال!
والوصول إلى الحق يحتاج إلى الذكاء قدر ما يحتاج إلى الإخلاص، ومن ثم منح الله أجرين لمن عرفه! ومنح أ جرا لمن أخطأه وهو حريص على بلوغه..
وبعض الناس يظن أن خطأ مجتهد ما قضاء على مكانته، ونسف لشخصيته، وهذا جهل كبير! فما أكثر الأخطاء التي وقع فيها مجتهدون من كبار الأئمة..
إن بناءهم العلمي شاهق، والخير الذي انفجر منهم دافق، فلا تهدمهم قذاة، أو تزري بهم كبوة! والدهماء عندنا ميالون إلى القول بعصمة الأكابر، ونحن لا نعرف في تاريخنا إلا معصوما واحدا، هو محمد بن عبد الله صاحب الرسالة الخاتمة..
وقد نقدتُ مرويات في الصحاح رأيتها تمسُّ الصميم من ديننا! وتفتح ثغرات مخوفة ينفذ منها عدونا، ما قصدت بذلك أن ألمز كبيرا أو أضع من قدره، ولا قصدت بذلك أن أرفع خسيستي (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وإنما كان نصحي لله ورسوله، ومصلحة الدين الذي شرفت بالانتماء إليه، والدفاع عنه).
وقد مشى الغزالي في منهجه في هذا الكتاب على نفس منهجه في كل كتبه السابقة، ولم يفعل سوى أنه جمع معظم أفكاره فيما كتب من قبل، وأصَّل وقعَّد لها، وقد تبنى الشيخ الغزالي في كتابه: أن فهم السنة ينبغي أن يكون في ضوء فهم القرآن، وأن شرطه في الحديث: أن يكون سالما من العلة والشذوذ، وأن يصح متنه وسنده معا، لا الاكتفاء بصحة السند، والغفلة عن المتن، وهي قاعدة لا يختلف عليها أحد، لكن المشكل بين الغزالي ومخالفيه في التطبيق، ومدى مطابقة التطبيق للقاعدة.
كما تناول قضية المرأة في السنة النبوية، وشهادة المرأة وديتها، وقد مال الشيخ الغزالي إلى تسوية دية المرأة بالرجل، وإلى قتل المسلم إذا قتل غير مسلم، مساواة بينهما في القصاص، وفي مسألة الغناء، سواء غناء المرأة أو غناء الرجل، بين إجازته بأدلته وضوابطه.
وعقد فصلا مطولا عن الدين بين العادات والعبادات، تناول موقف السنة من آداب الطعام، وآداب الملبس، وآداب المساكن، وما يمثل الإسلام فيها، وما يمثل العادات كالأكل على مائدة أو على الأرض، بالشوكة والسكين أم باليد.
وتناول عالم الغيب، وبخاصة مسألة الجن ومس الشيطان، وحقيقته وعلاجه، والغزالي رأيه معروف من قبل في مسألة المس، فالغزالي لا يؤمن بمسألة المس الشيطاني، مؤولا قوله تعالى: (كالذي يتخبطه الشيطان من المس) بأنه ما هو إلا تشبيه لنوع العذاب النفسي الذي يعيشه آكل الربا، ويتكلم عن ذلك بسخريته المعهودة، أنه لماذا لا نرى من يركبهم العفاريت، ويمسهم الجن إلا في بلاد المسلمين، بينما لا نرى ذلك في بلاد الغرب الكافر؟!!
وقد تناول الكتاب بالنقد عدد غير قليل، فقد ألف (14) كتابا ينقد الشيخ الغزالي وكتابه، والحق أن الأيام دارت وعاد الكثيرون ممن خالفوا الغزالي وهاجموه إلى كثير من آرائه، فمات الغزالي وحسب له اجتهاده الكبير، وجرأته الأكبر في إعلانه برأيه، فكم نفتقد الآن أمثاله في جرأته في الحق اجتهادا وعملا وإعلانا.

_________________________

*من علماء الأزهر 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه