محمد منير يكتب: مؤتمر واشنطن للأقباط والتلاعب بالوطن

وعندما يتم عقد مؤتمر للأقباط بمقر الكونغرس فى واشنطن وتحت إشراف ومباركة المخابرات المركزية الأمريكية، فإن هذا يعد نوعًا من التحالف بين رغبة أمريكاو بين مصالح رجال الأعمال المصريين

محمد منير*
فى العام 2008 رفض الراحل البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية اعتبار الأقباط أقلية، وقال نصًا “لا نقبل أن نعتبر أقلية داخل بلادنا ولا نقبل حماية لنا من الخارج فنحن مصريون ونحب مصر وندافع عنها ولا نقبل أن يصيبها أي ضرر بسبب الأقباط، وإن مشاكلنا تحل داخل مصر لا خارجها”.
جاء رفض البابا فى ذلك الوقت فى مواجهة دعاوى تطالب الحكومة المصرية باعتبار الأقباط أقلية، وهو ما يلزمها بتوقيع اتفاقيات دولية لحماية الأقليات، مما يتيح فرصة التدخل الخارجى فى حالة وجود أى ادعاء حول أى حادث يفهم منه أنه اضطهاد لهذه الأقلية، ووقتها فسر البابا شنودة موقفه قائلا “أي مطالب للأقباط تحل بروح الود والحب والتفاهم مع الدولة من دون أي تدخل أجنبي”.
الحقيقة أن المسألة القبطية لم تدخل طوال المراحل التاريخية دائرة الفصل الطائفى ولا التمييز بين الديانة القبطية والديانة الإسلامية، إلا عندما استخدمت لأغراض سياسية من قبل النظام الذى حولها إلى قضية تكفل له منطقية التبرير لأي إجراءات استثنائية.
وظهر هذا واضحا خلال العديد من الأحداث الطائفية التى كانت تتصاعد فى فترة تعرض النظام الحاكم لأزمات سياسية، أو رغبته فى تمرير قرارات سيادية أو اتفاقيات، ويخشى من المعارضة الشعبية، وهنا يلجأ إلى إثارة بعض مشكلات طائفية لإضعاف قوة المواجهة الشعبية، وهى القوة التى ثبت تاريخيا فاعليتها خلال ثورة 1919، وأصبحت أشهر حدث تاريخى تخشى من تكراره الأنظمة المستبدة والفاسدة.
واعتمدت الأنظمة الفاسدة فى مؤامراتها على انهيار الوعى السياسى وانتشار الأمية والجهل بنسبة كبيرة بين أفراد الشعب المصرى. وفى نفس الوقت ظهرت المصالح الكبرى للدول الكبرى، والتى من مصلحتها الهيمنة على الدول النامية، ووجدت فى الطائفية التى صنعتها الأنظمة الفاسدة فى مصر مدخلا مثاليا للتدخل فى شؤون البلاد.
وطوال الوقت كانت المؤامرة الطائفية تجد مقاومة شديدة من النخب الواعية والمثقفين من المسلمين والأقباط ورجال الدين المستنيرين من العقيدتين الإسلامية والمسيحية، واعتمدت المقاومة على الإعلاء من فكرة المواطنة التى اعتبرت الدين شأنا خاصا لكل فرد، وأن كل أفراد الوطن متساوون تماما فى الحقوق والواجبات. وطوال الوقت هناك صراع دائر بين أصحاب المصلحة فى إذكاء روح الطائفية، سواء مسلمين او مسيحيين، وبين المقاومين لهذه المؤامرات بسلاح “المواطنة”.
وعندما يتم عقد مؤتمر للأقباط منذ أسابيع بمقر الكونجرس فى واشنطن تحت عنوان “مستقبل الأقليات فى مصر بعد ثورتين” وتحت إشراف ومباركة المخابرات المركزية الأمريكية، ويشارك فيه أقباط مصريون ورجال أعمال يطالبون مصر بالاعتراف بأن الأقباط أقلية، والتوقيع على المواثيق الدولية لحماية الاقليات، فإن هذا يعد نوعًا من التحالف بين المصلحة الأمريكية، ورغبة أمريكا فى التدخل فى شؤون البلاد، ومصالح رجال الأعمال المصريين الذين ساهموا بشكل كبير فى هذا المؤتمر من أجل تحقيق مصالح خاصة لكل منهم على حساب إذكاء روح الطائفية وضرب فكرة المواطنة، وهو الأمر الذى يستلزم طوال الوقت وجود أحداث طائفية فى المشهد، تفاصيلها غريبة عن السياق التاريخى للعلاقات بين المواطنين المصريين، وداعمة لفكرة الأقلية القبطية والطائفية الإسلامية، وهى الفكرة التى لا تخدم إلا مصالح الهيمنة، والفساد، والاستبداد، ولا عجب في أن كثيراً من الدلائل تشير إلى أن معظم هذه الأحداث مدبرة، وخاصة من النظام المصرى الحالى الذى يعانى الكثير من الأزمات والخواء والضعف، ما يجعله يرتكن على فكرة انتشار الحوادث الطائفية لتبرير الكثير من الإجراءات الاستثنائية الاستبدادية، ولفشله فى تحقيق أى نوع من أنواع الأستقرار.
وعندما حاول المنظمون للمؤتمر إذكاء روح العداء بين المسلمين والمسيحيين المصريين باستضافة الكاتبة المصرية المسلمة فاطمة ناعوت، والهاربة خارج البلاد بعد صدور حكم قضائى بحقها بتهمة ازدراء الأديان، رغم اختلاف قضيتها عن موضوع المؤتمر، فإن خلافا شديدا وقع بين الكاتبة ومنظمي المؤتمر، عندما رفضت فكرة اعتبار الاقباط أقلية، وتمسكت بمبدأ المساواة فى الوطن والمواطنة، فهاجمها أعضاء المؤتمر بشدة ووقاحة وصلت إلى حد الإدانة والتشهير.
والحقيقة إن المأساة الحقيقية هى التقاء مصالح الهيمنة الامريكية مع رجال أعمال مصريين مثل “نجيب ساويرس” الذى كان من أكبر الداعمين للمؤتمر، فى ظل صمت مريب من النظام المصري، الذى ربما يتعامل مع هذه الأزمة كظاهرة إيجابية، تغض نظر الشعب مؤقتاً عن أزماته.
وفى النهاية الجميع يتلاعبون بمستقبل الوطن.
________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه