ابتسام تريسي تكتب: المرأة في الأساطير الهندية

ابتسام تريسي*
تقول أسطورة هندية ـ إنّ “تواشترى ـ المبدع الإلهي” حين أراد في البداية أن يخلق المرأة وجد أنّ مواد الخلق قد نفدت كلّها في صياغة الرجل، ولم يبقَ لديه من العناصر الصلبة بقية، فإزاء هذه المشكلة طفق يصوغ المرأة من القصاصات والجذاذات التي تناثرت من عمليات الخلق السابقة، يختار قصاصة من هنا وجذاذة من هناك:
فأخذ استدارة القمر، تثني الزواحف، وتعلّق المحلاق وهي: “جزءٌ لولبيٌّ يساعد النَّبتة على التَّعلُّق” وارتعاش الكلأ، ودقة قصبة الغاب، وازدهار الزهور، وخفة الشجر، وانخراط خرطوم الفيل، ونظرات الغزال، وتجمّع النّحل في خلاياه، وبهجة الشّمس المرحة، وبكاء السّحاب، وتقلُّب الرّيح، وجبن الأرنب، وزهو الطّاووس، وطراوة صدر الببغاء، وصلابة جلمود الصّخر، وحلاوة العسل، وقسوة النّمر، ووهج النّار، وبرودة الثلج، وثرثرة أبي زريق، وهديل الحمام، ونفاق الكركي، ووفاء الشّكرافاكا، ومزج كلّ هذه العناصر مزجاً صنع منه المرأة ثمَّ وهبها للرجل!
وعلى الرّغم من هذه العدّة كلّها لم يكن للمرأة في الهند إلاّ أسوأ الحظوظ، فمكانتها العالية الّتي بلغتها في العصور الفيدية، زالت عنها بتأثير نفوذ الكهنة. والروح العامة في تشريع مانو موجه ضدّها، يقول مانو: (إنّ الزوجة الوفية ينبغي أن تخدم سيّدها كما لو كان إلهاً، وألا تأتي شيئاً من شأنه أن يؤلمه مهما تكن حالته، حتّى إن خلا من كلّ الفضائل) العبارات التي قالها مانو تذكرنا بمرحلة أولى من اللاهوت المسيحي الذي جاء فيه: (إنّ مصدر العار هو المرأة).
وقد كان الرهبان البراهمة يحولون بين زوجاتهم ـ ولهم زوجات كثيرات ـ وبين دراسة الفلسفة، لأنّ النّساء ـ في نظرهم ـ إن عرفن كيف ينظرن إلى اللذة والألم، والحياة والموت، نظرة فلسفية، أصابهن مسٌ من الجنون، أو تمردن على واقعهن، ورفضن الخضوع لأزواجهن.
وحكاية حرق المرأة حية مع زوجها المتوفى لم تكن إحدى الحكايات التي قرأناها في كتاب الرّحالة ابن بطوطة ونحن صغار، بل هي واقع لم يستطع المسلمون الذين فتحوا الهند ولا الإنجليز الذين “احتلوا” الهند أن يلغوه، فهي عادة من ضمن المقدسات الهندية التي لم يتراجع البعض عنها حتّى يومنا هذا. لكنّ الجديد الذي دخل على هذه العادة المقدسة أنّ الأرملة يمكنها أن ترفض الموت لكن عليها أن تبقى وفية لزوجها بعد موته.
ووفاء الأرملة جزء من عقيدتها” فهي لا يمكنها أن تتزوج بعد زوجها، وعليها أن تحلق شعرها، وتبتعد عن النّاس إن رفضت الموت حرقاً أو الدفن حية مع زوجها.
تلك المفاهيم والعادات التي أسست لها الأساطير والمعتقدات الهندية القديمة وكرّسها الرهبان ورجال الدين، بقيت متغلغلة في فكر كبار الكتّاب والمبدعين الهنود وأثّرت على موقفهم المباشر ورأيهم بالمرأة وإن اقتنعوا بضرورة منحها الحق في الحياة والتّعلم لكنّهم لم يقتنعوا بضرورة أن تكون مساوية للرجل أو تقوم بالأعمال التي يقوم بها. فشاعر الهند الأكبر طاغور، الذي عاصر الاحتلال الإنجليزي، وتعلّم اللغة الإنجليزية وهو في الخمسين من عمره وكتب بها أروع أعماله، نموذج لهؤلاء، فهو يرى أنّ المرأة يسعدها أن تكون امرأة فقط ـ (أن تلف حول قلوب الرّجال بابتساماتها وتنهداتها وخدماتها، فماذا يجديها العلم وجليل الأعمال؟)
لكنّ المرأة الهندية أثبتت للعالم كلّه أنّها أقوى من كلّ المقدسات الّتي منعتها من حقّها السياسي، وكانت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي مثالاً للمرأة القوية التي استلمت رئاسة الوزراء ثلاث مرات منذ عام 1966 وحتّى اغتيالها عام 1984، وقد غيّرت وجه الهند سياسياً واقتصادياً وكانت توصف بذات القبضة الحديدية. 
اللافت تاريخياً أن صاحب قصة الحضارة “ول ديورانت” لم يستطع أن يكون نزيهاً حتّى في حديثه عن مكانة المرأة في الهند، وقد ارتأى أن يُرجع مآسيها ومعاملتها على أنّها كائن “دون” ومن مرتبة ثانية إلى تأثر الديانة الهندية بالإسلام والمسلمين المتوحشين الذين احتلوا الهند وفرضوا مفاهيمهم الدينية التي تحتقر المرأة، مما جعل الهنود يتعاملون معها على هذا الأساس.. والغريب في الأمر أنّ الأساطير التي تحدثت عن مكانة المرأة والديانات الهندية هي أقدم بكثير من الفتح الإسلامي، ومن ظهور الإسلام! بل إنّ قانون “مانو” وجد في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
ترى هل كان “ديورانت” مصاباً بعقدة نفسية بسبب الإسلام أم أنّ النّظرة الغربية لهذا الدين قد خلقت حالة (الإسلام ـ فوبيا) منذ تفتح وعيه على الحضارة؟
__________________________

* أديبة سورية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان