طه خليفة يكتب: انتهازية الغرب وما جرى في تركيا

طه خليفة*
هذا الغرب الأكثر نفاقا والأشد انتهازية، لا يحب إلا نفسه، لا يخلص إلا لذاته، لا يصادق أو يتحالف إلا مع بعضه البعض، الغريب عنه ثقافياً وحضارياً يظل غريبا، لا يجب التعويل عليه، ولا التسليم له، ولا النوم في أحضانه.
أحداث وحوادث متتالية تكون كاشفة لقوة منطق من يطالبون برفض التبعية المهينة للغرب، عبارة تتردد ونتعامل معها كشعار تنافح عنه كثيرا قوى اليسار المناوئ تاريخيا للغرب، لكنها عنوان مهم لأحد جوانب الاستقلال الوطني الحقيقي، استقلال دون تهور أو خصام أو عداء مع أحد حتى الغرب نفسه، إنما أيضا استقلال مع حريات وحكم رشيد وعدالة اجتماعية وتنمية اقتصادية، وليس استقلالا ظاهرا وفي الجوهر قمع وتنكيل وتكميم وإفقار، وذلك حتى لانظل نقع في “شَرَك”من الخداع، ونمهد الأرض لتجارب حكم سلطوية، كما حدث مع مختلف أشكال الحكم الوطني التي أعقبت الخلاص من الاستعمار الغربي القديم، فقد تم رفع شعار الاستقلال ورفض التبعية، ولم يكن ذلك لأجل حرية الشعوب وديمقراطية الحكم، إنما لتكريس حكم الفرد، وتثبيت الاستبداد، وشطب الحياة السياسية، وقهر كل صوت حر.
انقلاب تركيا يكشف بشكل واضح وفاضح عن وجه انتهازي للغرب، أو يعيد اكتشافه لمن كانوا يحسنون الظن به، ويرونه مخلصا لشعارات الحرية، والديمقراطية، واحترام نتائج الانتخابات، والدولة المدنية وحكم القانون، وحقوق الإنسان، وهى القيم التي تجعل دعاة الحرية والحالمين بها في بلادنا يتعلقون بالغرب، ويتمنون أن تكون بلادهم على نهجه السياسي.
هذا الانقلاب بساعاته الخمس حتى فشله يصلح حالة للدراسة والخروج منها بأحكام قاطعة بشأن أن الغرب لا يضع عصابة على عينيه وهو يتعامل مع قضية الديمقراطية خارج حدوده، مثل العصابة  الموضوعة على عيني التمثال رمز القضاء ودلالاتها المعروفة في النزاهة والعدالة، فإذا كان هو منشأ الديمقراطية بشكلها الحالي، وإذا كان يتفاخر بها كقيمة حضارية تُنسب إليه، وإذا كان يسوق لها سياسيا، فإنه ليس عادلا في التعامل معها وإنصافها عندما تتعرض للتهديد كما حصل في تركيا مؤخرا، وكما حصل في بلدان غيرها سابقا، بل إن الغرب نفسه تآمر مرارا وبشكل فج مع الطغاة للإطاحة بالديمقراطية، وحدث ذلك في فضاءه الجغرافي والسياسي أيضا، وانقلاب اليونان عام 1967 نموذجا، فقد وقفت أمريكا وراءه، كما وقفت وراء سحق الحكومات المنتخبة في أمريكا اللاتينية وفي مناطق العالم المختلفة إما لأنها أتت للحكم بقوى يسارية لاتستريح لها، أو بحكومات لم تسر على هواها وحاولت الفكاك من التبعية المذلة.
لذلك يقولون من باب السخرية، وفي تلخيص لتلك الحالة بأن البلد الوحيد الذي لا يشهد انقلابات عسكرية هو أمريكا حيث لا توجد فيها سفارة أمريكية، أي أن السفارات الأمريكية هى أوكار للتآمر.
بدأ الانقلاب في تركيا، الوقت يمر، والانقلاب يصدر بيانه الأول، ويعلن عن إجراءاته الاستثنائية، ويؤكد أنه يسيطر على السلطة، ويهدد ويتوعد ويحذر من يخالفون قراراته، والمتاح من صور تبثها الفضائيات تشير إلى تواجد عسكري على الأرض وفي الجو يتجه لإحكام سيطرته على المفاصل الحيوية لتركيا والعصف بالتجربة الديمقراطية، تمر الدقائق وليس هناك أي تصريحات من الحكومة سوى لرئيس الوزراء علي بن يلدرم، لم يكن الرئيس أردوغان قد عُرف مكانه بعد، لا أنباء عنه سوى خبر ثبت كذبه وهو أنه طلب اللجوء إلى ألمانيا، استغربت وقلت: هل يمكن أن يترك الميدان؟، كان يلدرم لايزال يواصل التصريحات القوية ضد الانقلاب، ويؤكد أن الحكومة الشرعية باقية، وتمارس عملها، ثم فجأة يظهر أردوغان عبر سكايب، ومن شاشة هاتف محمول يوجه أول ضربة للانقلاب بدعوته الجماهير للنزول للشارع دفاعا عن إرادتها، كانت توقعاتي أن الجماهير ستنزل من نفسها، لكن أهمية ظهوره ودعوته أنه يؤكد وجوده في أرض الميدان، وأنه باق رئيسا شرعيا ويقود شعبه، هنا أيقنت أن الانقلاب زائل وفي أسرع وقت، ولو ظل للصباح سيكون قد عمّر طويلا، واستعدت تجربة الرئيس الفنزيللي الراحل هوغو تشافيس ودحره للانقلاب عبر الحشود الشعبية خلال يومين، ثم أخذت تتوالى تصريحات قادة حزب العدالة والتنمية الحاكم الذين أثبتوا مهارة سياسية وقوة شخصية وشجاعة، تأكدت أن الانقلاب مغامرة فاشلة لا محالة بعد الحشود الليلية التي خرجت دفاعا عن ديمقراطيتها.
رغم كل هذه التطورات المتلاحقة، ورغم تسارع الأحداث وكثرتها واستمراريتها وخطورتها كان الغرب في حالة صمت رهيب ومريب، لم تصدر أي عاصمة غربية في طول أوربا وعرضها عبورا للمحيط إلى أمريكا تصريحا واحدا ضد الانقلاب، تصريحا يعلن عن احترام الغرب للقيم والمبادئ الديمقراطية التي يجعلها عناوين لحضارته وثقافته ويعتبر نفسه متميزا عن الآخرين بها.
منذ النبأ العاجل الأول عن الانقلاب كان من الطبيعي أن تقوم عواصم الغرب بإدانته فورا بشكل فردي وجماعي، وليس التمويه حتى يتضح اتجاه الريح، ولمن ستميل الكفة، هنا لا يجوز الانتظار، فالحدث لم يكن مباراة كرة قدم مثلا، والانتظار لنهايتها ضروري لمعرفة الفريق الفائز لإرسال برقيات التهاني إليه، ما كان يجري على الأرض في تركيا في حسابات الحكم المدني مؤامرة لها أهداف ونتائج معروفة سلفا، خلع حكومة منتخبة وإسقاط حكم مدني واستبداله بحكم عسكري، فلماذا كان الصمت، وما مبرر التلكؤ عن الإدانة الفورية وتأكيد الاعتراف فقط بالحكومة الشرعية، إلا إذا كان هناك تواطؤ بأشكال عديدة مع الانقلاب.
تواطؤ قد يصل لحد العلم به مسبقا، أو التنسيق بشأنه، أو منح ضوء أخضر من بعيد له، وحتى لو لم تكن هناك علاقة مع مخططي الانقلاب، ومن يقفون وراءهم، فالتواطؤ قد يتحقق بغض الطرف عنهم، وتركهم، فإذا نجحت مؤامرتهم يتم التعامل معهم كأمر واقع كما سبق وحصل مع انقلابات سابقة في تركيا نفسها وفي دول أخرى.
الانقلاب كفكرة قبل أن يكون كحركة دبابة في الشارع في أي عاصمة في العالم عمل غير شرعي، وغير دستوري، وغير قانوني، وغير ديمقراطي، وغير مدني، وغير طبيعي، يتوجب إدانته ورفضه سياسيا ودبلوماسيا وأخلاقيا فورا ممن يقولون إنهم العالم الحر حتى لو كان هناك توتر مع من يحكم، أو تحفظات على بعض سياساته.
لم يكن الأمر بحاجة للانتظار ومتابعة التطورات لتصدر مع بوادر نزول الأتراك للشارع دعوة أمريكية باهتة من وزير الخارجية كيري للحفاظ على الاستقرار، ثم تصريح بأن الرئيس أوباما تتم إحاطته بما يجري في تركيا، إنما وعلى الفور كان يجب رفض الإطاحة بالديمقراطية، من أجل الديمقراطية، وليس من أجل أردوغان ورفاقه.
الغرب يطعن قيمه ومبادئه في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ويجعل نخبا تتوسم فيه خيرا تتشكك وتُصاب بالمرارة من ازدواجيته، تلك النخب تشيد بالحياة السياسية المدنيه المستقرة لديه، وتثني على أهم منجزاته في الحكم وهى الديمقراطية، وتنوه بالحريات والحقوق الإنسانية والتسامح وقبول الآخر في أوطانه، لكن يبدو أن هذه البضاعة محلية فقط، لأوطانه وشعوبه فقط، ليست للتصدير للخارج، الشعوب الأخرى وأشواقها للحرية لا تعنيه كثيرا ولا قليلا.

__________________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان