عبد الرزاق قيراط يكتب: هواجس تونسيّة في دولة الرئيس المريض.

عبد الرزاق قيراط*
“لنا رئيس أعجز من أن يقوم بأبسط واجباته الرمزية..، (وهو) يخفي حالته الصحيّة “، هذا ما قاله منصف المرزوقي ضمن قراءة مفصّلة للوضع التونسيّ الراهن في ظلّ حكم “عائلة السبسي”، كما وصفته صحيفة الإندبندنت قبل أشهر عندما نبّهت إلى انهيار حزب النداء، ومساعي مؤسّسه إلى “تركيز حكم عائليّ”، بات هدفا عاجلا لا يخفى على أحد 
وفي هذا السياق، يقول المرزوقي:”الرئيس الحاليّ دفع عائلته إلى الصدارة السياسية تجديدا لأتعس وأفسد ما في تقاليدنا السياسية”، مؤكّدا أنّ مبادرته الأخيرة بخصوص حكومة الوحدة الوطنيّة التي يريد تشكيلها تمثّل “حماقة أخرى أدّت إلى شلل الحكومة والإدارة والاقتصاد لأجل غير مسمّى”. وتوصيفا لسياساته تلك، تكرّرت في تصريح المرزوقي عبارة “المسخرة”، الكلمة المفتاحيّة، التي تختزل ما آلت إليه أوضاع البلاد على المستوى السياسيّ والتشريعي، فمبادرة الرئيس مسخرة، وأعمال مجلس النواب مسخرة، والوزراء الذين يطالبون باستقالة رئيسهم الحبيب الصيد يؤدّون أدوارا هزليّة لا سابق لها في التجارب الديمقراطيّة التي تحترم مؤسّسات الدولة ودستورها.
لقد تعوّد المرزوقي على تسفيه الخصوم وحتّى الأصدقاء جملة مواقفه بوصفه معارضا شرسا للنظام القديم والثورة المضادّة التي أوصلت منافسه إلى قصر قرطاج، لكنّه نجا هذه المرّة من الردود العنيفة، وبدا منسجما مع الكثير من التصريحات المحبطة التي تؤيّد هواجسه، وتتجاوزها في منسوب التشاؤم بمستقبل البلاد أمام الانهيار السياسيّ والاقتصاديّ الذي تفاقم في الأشهر الأخيرة… وفي هذا السياق التشاؤميّ، أعلن شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، خلال ندوة نظمها (مركز دراسة الإسلام والديمقراطية) أنّ معظم الملفّات التي قدّمت للقضاء لم تُتّخذ بشأنها إجراءات عقابيّة لإبعاد المسؤولين الفاسدين عن أجهزة الدولة ومؤسّساتها مثل” الشركة الوطنية لتوزيع المياه والشركة التونسية للكهرباء والغاز وشركة الخطوط الجوية التونسية، وموظفين كبارا في وزارات الصحة والطاقة والتعليم العالي والفلاحة والمالية ومستشارين اثنين لرئيس الحكومة”. ونبّه الطبيب مَن يعنيه الأمر إلى خطورة الاستمرار في تجاهل الفساد لأنّه قد” يقضي على الدولة التي نحبّها، وعلى أسس التعايش الذي نحن فيه، ويمكن أن يصل بنا إلى دولة العصابات وبنفس اللهجة التشاؤميّة، قال القاضي أحمد صواب: “بصراحة فشلنا في التصدي للفساد ونعتذر من شعبنا “، معلّلا ذلك الفشل بالتراخي ” في اجتثاث القضاة الفاسدين”

إنّ السكوت عن الفساد في عهد الرئيس السبسي يدلّ على موقف سياسيّ تصالحيّ يسعى إلى تطبيع سريع مع اللصوص الكبار الذين نهبوا ثروات الدولة على امتداد العقود السابقة.. وما إصرار الرئيس على تمرير قانون المصالحة بصيغته الحاليّة المنافية للمعايير الدستوريّة، إلاّ حجّةً على رغبته في السير بالأمانة التي كُلّف بها إلى خيانة مؤذنة بخراب العمران. فلا شيء أخطر على شوكة الدولة وهيبتها من تكريس مبدأ الإفلات من العقاب. والثابت أنّ الرئيس يريد بمبادرته الأخيرة لتشكيل حكومة وحدة وطنيّة، توريط كافّة الأحزاب ومنظّمات المجتمع المدنيّ في تثبيت ذلك المبدأ وتثمين ذلك التطبيع، بالإضافة إلى تقاسم نتائج الفشل التي مُني بها حزبه بعد سنة ونصف من الحكم المتقلّب، واللهاث وراء الغنائم والصراع على مناصب الدولة. وإجمالا لتلك الاستنتاجات، تتضح معالم “فلسفة” الرئيس والذين أشاروا عليه بتلك المبادرة، كما حوصلها الأمين العام لحزب البناء الوطني، رياض الشعيبي، في قوله: ” فلسفة حكومة الوحدة الوطنية المقترحة هي تكريس واقع اللوبيّات وإقطاعيات القوة بتمليكها السلطة وتقنين مصالحها بغض النظر عمّا تنتظره المجموعة الوطنية”.

وبناء على ما تقدّم ذكره من هواجس، يجوز لكاتب هذه السطور، تنبيه التونسيّين إلى أمور خطيرة يجري ترتيبها في أثناء غفلتهم فالمخاوف كثيرة وصادمة، لا تتعلّق بمبالغات لمعارضين راديكاليّين، بقدر ما تمثّل تشخيصا لأعراض الهزال الخطير الذي ضرب أجهزة الدولة ومناعتها، وهو تشخيص متفق عليه، بعد أن حاز على إجماع قوى المعارضة والمسؤولين عن المؤسّسات المعنيّة بالحوكمة ومقاومة الفساد.
وبلا أدنى تعسّف في تبيّن العلاقة بين تلك الهواجس والأعراض، نسجّل بأسف جملة المنافع المترتّبة على مبادرة الرئيس لتشكيل حكومة جديدة بوصفها مؤدّية بالضرورة إلى غنائم جديدة لصالح العائلة التي تريد الهيمنة على مواقع القرار بأقصى سرعة، فالرئيس مريض إلى حدّ العجز عن القيام ببعض الأنشطة البروتوكوليّة البسيطة كالمشاركة في صلاة العيد، (التي تغيّب عنها)، فأثار أسئلة عن حقيقة وضعه الصحيّ، وسال مداد لا يخلو من إشاعاتٍ خطيرة، تأخّر الناطق الرسميّ باسم الرئاسة في تكذيبها، فلم يفلح بالتالي في طمأنة الرأي العام الذي ظلّ على ريبته بسبب إلغاء مراسم التهنئة بعيد الفطر وفقا لما يمليه البروتوكول في الأعياد الدينيّة والوطنيّة. وهنا يبدو رئيسنا على صواب، فتونس ليست بخير، والشعب ليس بخير، وكل عام والرؤساء والحكومات التي تحمي اللصوص الكبار بخير!

_________________________

*كاتب تونسي
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان