طه خليفة يكتب: دروس معركة حلب !

هكذا هى الحروب التي يكون أحد طرفيها غير نظامي، أي جماعات وتنظيمات تجيد حرب العصابات من حيث الكر والفر، والظهور للضرب السريع ثم التخفي. يتبع

طه خليفة*
يستعد جيش الفتح لمعركة حلب الكبرى لتحرير الجزء الذي يقع تحت سيطرة النظام من المدينة، بعد أن نجح في السادس من الشهر الجاري في فك الحصار الذي فرضته قوات النظام وحلفائها يوم 17 يوليو/تموز الماضي عن الجزء الشرقي الذي تسيطر عليه فصائل المعارضة منذ عام 2012.

النجاح السريع للفصائل المسلحة في فك الحصار، والمغانم التي أحرزتها من مخازنه في كليتي الدفاع والتسليح منحها دفعة معنوية هائلة بإمكانية تحقيق انتصار ساحق على قوات النظام والمليشيات في المناطق الغربية من المدينة لتحكم سيطرتها على حلب بالكامل.

حلب واحدة من المناطق المهمة للمعارضة وفصائلها المسلحة، والقوى التي تدعمها سياسيا وعسكريا – خصوصا تركيا- لن تسمح باستعادة النظام قبضته كاملة عليها، بل تلك القوى تدفع في اتجاه تقدم المعارضة لبسط نفوذها وطرد عناصر النظام ومرتزقته من كامل المدينة مستفيدة من النجاحات الأخيرة في كسر الحصار، وفي إثبات أن السيطرة الجوية الكاملة لروسيا والنظام لا تعني الحفاظ على الأرض طويلا، أو الفوز بمعارك الأرض.

انهيار سريع
القصف الجوي العنيف والمتواصل من جانب الروس والأسد لم يفلح في السيطرة على حلب الشرقية، كل إنجازهم كان حصارها، وقد انهار هذا الحصار سريعا جدا وقبل أن يبدأ النظام احتفالاته بما اعتبره نصرا كبيرا وإعلانه استعداده للذهاب لجولة مفاوضات عبثية جديدة يحدد فيها شروطه باعتباره منتصرا وصاحب الكفة الأعلى عسكريا.

فك الحصار والتقدم باتجاه مناطق النظام في وقت قياسي درس في معارك المعارضة عندما تتوحد وتخطط وتنظم صفوفها متحصنة بالإيمان في عدالة قضيتها ودفاعها عن حرية وكرامة الشعب السوري ضد طغيان فاحش.

معركة حلب تثبت مرة أخرى أن القوة الجوية ومهما كانت درجتها في السيطرة على السماء، ومهما كانت شدة القصف وتواصله فإنها لا تعني النصر على الأرض، يحدث ذلك في حلب حاليا، وفي كل المناطق التي تخضع للمعارضة المسلحة سواء في إطار الجيش الحر، أو بالتنسيق معه، وحتى في المناطق التي تسيطر عليها فصائل مسلحة متطرفة مثل تنظيم الدولة (داعش) في الرقة ودير الزور، إذ رغم وجود تحالف عالمي من 61 دولة بقيادة أمريكا تقصف هذا التنظيم في مناطق نفوذه منذ وقت طويل إلا أن هذا التحالف لم يحرزا نصرا ساحقا.

لا غنى عن معارك الأرض التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية في الرقة مثلا، وروسيا تقوم بمفردها بغارات على التنظيم، ومع ذلك لم يفقد أرضا إلا بالقوة البرية للأسد ومليشياته، ونفس الأمر في العراق حيث لم يتم طرد داعش من تكريت و الأنبار والفلوجة إلا بمعارك برية، ولن يتم ذلك في الموصل مهما كانت شراسة القصف الجوي من التحالف الدولي إلا بالحشود البرية المقاتلة.

وفي اليمن ورغم مرور نحو عام ونصف العام على القصف الجوي من التحالف العربي إلا أن المحافظات المحررة في الجنوب تمت بزحف بري من جانب الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، ولن تتحرر صنعاء وعمران وصعدة وبقية المحافظات التي ما زالت في أيدي الحوثيين والمخلوع صالح إلا بالمعارك البرية.

الكر والفر
هكذا هى الحروب التي يكون أحد طرفيها غير نظامي، أي جماعات وتنظيمات تجيد حرب العصابات من حيث الكر والفر، والظهور للضرب السريع ثم التخفي. نعم المقاتلات تقصف وتدمر، لكنها لا تكون قادرة على سحق العناصر البشرية على الأرض، هى تقتل من المدنيين أكثر مما تقتل من المسلحين، لأن المدنيين لا يجيدون التخفي والهرب، قصف بناية واحدة يسقط فيه عشرات المدنيين دفعة واحدة، بينما قصف متواصل لمناطق تركز مسلحين قد لا يسقط منهم إلا القليل بسبب المهارة المكتسبة من التعامل مع الغارات والنجاة منها والعمل تحت الأرض معظم الوقت.

حروب إسرائيل مع حماس وحزب الله نموذجا مهما وأساسيا، فلم يستطع الكيان الصهيوني كقوة عسكرية عاتية إنهاء اعتداءاته الغاشمة في كل مرة كما كان يريد على هاتين القوتين رغم فارق التسليح والقدرات الشاسع لصالحه.

هذا درس مهم من دروس الحرب اللإنسانية في سوريا، إذ طوال ست سنوات من القصف الشرس من جانب مقاتلات النظام مستخدمة مختلف أنواع الصواريخ، والبراميل المتفجرة، وحتى الكيماوي والغازات السامة، إلا أنها فشلت في استعادة ما حررته الفصائل المسلحة من مناطق في مختلف أنحاء سوريا، والأرض التي استعادها النظام كانت بمعارك برية، وبكلفة بشرية كبيرة.

روسيا عندما قررت التدخل العسكري المباشر، وقيادة الحرب بدلا من إيران، رسمت خطتها على أساس أنه في غضون ثلاثة أشهر فقط، تبدأ 30 سبتمبر/أيلول 2015 وتنتهي 30 ديسمبر/كانون الأول من نفس العام لتكون المهمة قد أنجزت بالقضاء على داعش، واستعادة قوات الأسد للأرض التي يسيطر عليها، وتحجيم وجود المعارضة المسلحة على الأرض لتخرج من معادلات القوة السياسية على أي طاولة مفاوضات، لكن الخطة فشلت، والروس يتلقون خسارة كبيرة، فهم اضطروا لجعل عمليتهم العسكرية مفتوحة، وقريبا سيكملون عاما كاملا، وحليفهم الأسد لا يسيطر إلا على أقل من ربع الأرض فقط. وها هي معركة حلب تثبت أن هزيمة فصائل المعارضة وإخراجها من معادلة القتال مستحيل رغم الظروف الصعبة التي تعمل فيها دون الدعم المأمول من الأصدقاء المفترضين ودون أي قدرة جوية في مواجهة تحالف دولي مليشياوي مساند للأسد تقوده روسيا القوة العظمى.

قوات الأسد فقط بدون أي دعم بشري أو عسكري من الحلفاء لن تصمد ساعات في المعركة الأخيرة وينتهي وجودها الهش، وقوات الأسد بكل هذا الدعم من المقاتلين والتسليح الضخم فإنها غير قادرة على أي حسم عسكري، ماذا يعني ذلك؟، يعني أن تلك الحرب الإقليمية الدولية بدون حل سياسي عادل يضمن خروج الأسد أصل الأزمة من السلطة ستظل مفتوحة دون وضع نهاية لبحور الدماء المسالة من الشعب المظلوم، ستظل حرب التدمير الشامل والمتدرج والمنهجي لسوريا دولة وشعبا وقدرات ودورا وتاريخا مستمرة، والعالم يساهم فريق منه في إشعالها، والفريق الآخر يكتفي بالفرجة في صمت.

________________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان