عبير الفقيه تكتب: اِبنة أوباما نادلة بمطعم، لِمَ لا؟

بوصفي عربيّة عشت تجربة العمل المؤقّت في المجتمع العربي والمجتمع الأوربي، يهمّني أن أوضّح للقارئ العربيّ أنّ مهنة النّادل أو عامل النّظافة أو موزّع البيتزا، كلّها مهن تمثّل محطّات طبيعيّة في سلّم تجارب الشّباب الأوربي.. يتبع.

عبير الفقيه*
   تعيش سلسلة مطاعم “نانسي س” لفواكه البحر في جزيرة مارتاز فانيارد في ولاية ماساتشوسيتس الأمريكيّة هذا الصيف أكثر المواسم أمناً لأنها تحظى بخدمة طاقم مكوّن من ستّة أشخاص لحماية الشّخصيّات من البيت الأبيض لمدّة أسبوعين كاملين. والسّبب يرجع الى أنّ “ساشا أوباما” اِبنة الرئيس الأمريكي، أبت إلّا أن تسبق عائلتها في عطلتها الصّيفية إلى هناك، لتعمل نادلة في مطعم تابع لهذه السّلسلة. خبرٌ نشرته بعض وسائل الإعلام في صفحة المنوعات وحاز على اهتمام متابعي وسائل أخرى.
  من الطّبيعيّ أن  يمثّل خبر العمل الصّيفي لـ”ساشا أوباما” الفتاة ذات الخمسة عشر ربيعا، كنادلة في مطعم فقرة من فقرات أخبار المشاهير المُربحة والتي تجلب فئة الجمهور الفضولي. زد على هذا، فئة كبيرة من الجمهور الملتزم عموما، باِعتبار الخبر يهمّ عائلة الرّئيس الأمريكي باراك أوباما. و حتّى و إن مثّل خبرا عابرا كالذي سبقه بخصوص حمل أختها في أواخر سنة 2014، إلّا أنه لا تنقصه الاثارة، و إن نأى المطّلعون عليه بأنفسهم عن الفضول. وفي الحقيقة، لم يكن الخبر ليستوقفني كثيرا لولا اِتّساع الهوّة بين خلفيّات أصحاب التعليقات التي حظي بها الموضوع في بعض المواقع الإخباريّة على شبكات التّواصل الاِجتماعي،  الغربيّة من جهة و العربيّة من جهة أخرى.
   فبينما مثّل الخبر في بعض المواقع الغربيّة، مُعطى إضافيّا عن حياة عائلة أوباما و تحرّكاتها {وهي على أبواب اِنتهاء إقامتها بالبيت الأبيض} وعن مرحلة جديدة في حياة اِبنة الرّئيس بدخولها المبكّر باب التّدريبات للحياة المهنيّة مع استحسان اختيار قطاع المطاعم والخدمات عموما كمجال للتدريب، باِعتباره محطّة طبيعيّة في حياة الشّباب الغربي مهما علا شأن الشهادات التي حصل عليها أو أصوله الاِجتماعيّة، فقد جلب اِنتباهي التّهليل الذي حظي به الخبر في أغلب المواقع العربيّة باِعتبار مرور اِبنة رئيس أمريكا بتجربة “نادلة” دليلا على العدل و المساواة في الفرص بين الشّباب الأمريكي، وضرورة مرور أبناء المشاهير بنفس التّجارب التي يمرّ بها غيرهم من أبناء عامّة الشّعب في محاولة لتجميل صورة المجتمع الأمريكي.
   لا شكّ في أنّ العرب متعطّشون لقيمٍ مثل التّواضع و المساواة، خصوصا إذا صَدرت عن شخصيّات سياسيّة يكفل لها القانون ظروف عيش باِمتيازاتٍ خاصّة، إلّا أنّني أعتقد أن طبيعة العمل الذي اِختارته اِبنة أوباما هو ما أثار كل هذه الجلبة. فـصورة “النّادل/ـة” في مخيّلة العربيّ ترتبط عموما بذلك الشّخص الكادح الذي يتقبّل نقد الزّبائن و شتائم صاحب العمل في سبيل أجر زهيد، و يُنهي يومه بغسل الصّحون و تنظيف بلاط المطعم أو المقهى، ويقضي ساعات تفوق المتعارف عليه في العقد {إن وُجدَ} و لا يجرؤ على الشّكوى. هذه النّظرة اِرتسمت في مخيّلة العربيّ بناء على الواقع المَعيش في مجتمعه، وإسقاطها حتّى على مجتمعات أخرى عبر صورة اليد العاملة المُهاجرة معدومة الشّهادات العلميّة، باِعتبارها سِمة تشمل أعمال خدمة البيوت، البناء، أو خدمات الفنادق و المطاعم.
  وإن هذّب الواقع الغربي هذه النّظرة الخاطئة مع الوقت { من خلال تجارب المهاجرين وحرصهم على تحسين صُورهم في مجتمعاتهم الأمّ} فإنّ تفكير البعض بقي محكوما بتلك النّظرة المُشفقة لا إراديّا على “النّادل” أو “عامل النّظافة”. وفي الحقيقة هي أحكام مازالت تلقى صدى لدى عقليّات مجتمعات العالم الثّالث عموما، تلك المجتمعات المولعة بتطبيق التّفاضليّة في كل المجالات، وإن أثبت الزّمن أن لا فضل لمواطن على آخر إلّا بالإنتاج و احترام القانون.
  بوصفي عربيّة عشت تجربة العمل المؤقّت في المجتمع العربي والمجتمع الأوربي، يهمّني أن أوضّح للقارئ العربيّ أنّ مهنة النّادل أو عامل النّظافة أو موزّع البيتزا، كلّها مهن  تمثّل محطّات طبيعيّة  في سلّم تجارب الشّباب الأوروبي الى حين الحصول على الشّهادة أو الحصول على عمل آخر، أو هي محطّات قارّة لأشخاص لم يكملوا تعليمهم أو اكتفوا بهذه المهن لمحدوديّة عروض الشّغل. وفي الحالتين لا تجلب هذه المهن تحقيرا لأصحابها لا من طرف مرؤوسيهم و لا من طرف المجتمع، طالما يتقاضى العامل راتبا مقبولا ويلقى معاملة محترمة لقاء جهده. 
 وبما أن النّظام التّعليمي في العالم المتقدّم يُجبر الطلاب مبكّرا على الاِندماج في الدّورة الإنتاجيّة، كفقرة من فقرات المسيرة الدّراسيّة، بهدف تفعيل قيم كالاِنضباط و الصّبر والمثابرة و اِستيعاب مفهوم العمل شيئا فشيئا. فإنّ مكان العمل مثلا يمكن أن يجمع اِبن العامل البسيط باِبن الشّخصية المُترفة، بنفس المهام والأجر نفسه. وفي مرحلة متقدّمة من الدّراسة الجامعيّة {المُكلِّفة عادة} ويُفضّل الكثيرون المزج بين الدّراسة وامتهان هذه الأعمال باعتبارها تساهم في تحقيق الاِستقلاليّة المادّية و ُتيح أوقاتا مَرنة يسهل توزيعها عكس ساعات المحاضرات. 
و بالتّالي يتمكّن الشّاب في حال الحصول على الشّهادة الجامعيّة من تعزيز سيرته الذّاتيّة التي سيواجه بها سوق الشّغل لاحقا بهذه التّجارب، بالإضافة إلى ما تيسر من مشاركات في العمل التطوّعي الذي أصبح يُعتبر في الألفيّة الثّالثة، شرطا من شروط الاِلتحاق بالجامعات ذائعة الصّيت.
 من المُؤكّد أنّ المجتمعات الغربيّة ليست مثاليّة، فهي تُخفي كغيرها عيوب الاِستغلال والغشّ والتحايل على العمّال، لكن وجب الاِعتراف أنّها مجتمعات ناضلت كثيرا ومازالت من أجل تحسين قيمة العمل والعامل وضرورة اِحترام حقوقه في الوعي العام مهما كانت طبيعة هذا العمل الذي يقوم به. وحرصت النّقابات على تذليل الفوارق المادّية بين العمّال لتعزيز ثقة أصحاب العمل العضوي بأنفسهم.
ثقافة اِجتماعيّة اِنصقلت مع الزّمن وتجرّدت من عُقد التّفاضل. ثقافة تُتيح لاِبنة رئيس أن تعي قيمتها كمواطنة عاديّة تتقدّم بزيّ النّادلة إلى طاولات الزّبائن تنقل طلباتهم وإن كانت تحت أنظار طاقم حماية شخصيات البيت الأبيض.
______________________

*كاتبة تونسية  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان