عبد القادر عبد اللي من أنقرة: مصدر التفاؤل التركي في سوريا

في لقاء مع ممثلي الصحافة التركية جاء بعد هذا التصريح بيومين، عاد بن علي ليقول بشكل أقل غموضاً، ولكنه لا يحمل وضوحاً: “لا تندهشوا إذا حدثت تطورات مهمة في سورية خلال الأشهر الستة القادمة
![]() |
عبد القادر عبد اللي*
قبل أيام أطلق رئيس الحكومة التركية بن علي يلدرم تصريحاً بدا ملتبساً، ويخدم أنصار النظام السوري أكثر مما يخدم معارضيه، إذ قال: “مثلما حسنّا علاقاتنا بإسرائيل وروسيا، سيكون هناك تحسن بالعلاقات مع دول أخرى في المنطقة”، ولم يذكر من دول المنطقة هذه سوى سوريا، واعتبر هذا التصريح مؤشراً على تغيير في السياسة التركية من النظام السوري.
في لقاء مع ممثلي الصحافة التركية جاء بعد هذا التصريح بيومين، عاد بن علي ليقول بشكل أقل غموضاً، ولكنه لا يحمل وضوحاً: “لا تندهشوا إذا حدثت تطورات مهمة في سوريا خلال الأشهر الستة القادمة”.
يبدو أن التصريحات الغامضة تثير شهية الكتابة، فقد حظي هذا التصريح بمئات المقالات والتحليلات قبل مرور أربع وعشرين ساعة عليه. تنوع المحللون بالرؤية بحسب نوع الفرضية. فهناك من افترض خرقاً ما في الموقف الروسي، وهناك من افترض تغييراً في الموقف الإيراني، وهناك من اعتبر أن هناك تغييراً في الموقف التركي من نظام الأسد، والقبول بقيادته للمرحلة الانتقالية كما يريد الإيرانيون والروس.
هي مجرد فرضيات، لأن ما سُرب من اجتماع الرئيسين التركي والروسي لا يتعدى جملاً قصيرة، تؤكد على ثبات الموقف الروسي من النظام السوري، وثبات الموقف التركي أيضاً من هذا النظام. وهذا الثبات على المواقف أدى إلى تشكيل لجنة ثلاثية مخابراتية عسكرية دبلوماسية لمتابعة الملف السوري.
بعد القمة الروسية التركية جاء وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى أنقرة ليعلن موقف بلاده المعارض للانقلاب في تركيا، وتأييد إيران للحكومة الشرعية المنتخبة، ولكن على الرغم من هذا كان الملف السوري على رأس جدول أعمال الضيف.
لو عدنا إلى التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الأتراك ووزير الخارجية الإيراني خلال زيارته إلى أنقرة لوجدناها تكراراً لما كان يقال منذ خمس سنوات ونيّف، ولا تخلو من المجاملات الدبلوماسية. فالأتراك من جهة أكدوا على أن إيران يمكنها أن تلعب دوراً إيجابياً في القضية السورية، وظريف أكد أن التفاهمات يجب ألا تقصي تركيا.
بما أن إيران موجودة على الأرض السورية بقوة، وحتى يمكن القول إنها القوة الأكبر، ولها الدور الأساسي، فلا نجد أمامنا تفسيراً لطرح الجانب التركي سوى أنه لا يرى الدور الإيراني في سورية إيجابياً.
إذا كانت تركيا تعتبر الدور الإيراني غير إيجابي، ألا يعني هذا أن موقف إيران ما زال ثابتاً من النظام السوري، وأن الموقف التركي أيضاً لم يتغير بالنظرة إلى هذا الموقف؟
هناك فرضيات أخرى لم تبرز بشكل واضح، مثل زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، ووزير الخارجية الأمريكية جون كيري إلى تركيا.
الهدف المعلن من زيارة بايدن وكيري هو رأب الصدع في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة حول ما سُربه الأتراك بشكل غير رسمي عن دور أمريكي بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا. ولكن القضية السورية شكلت على مدى خمس سنوات شرخاً عميقاً في العلاقة التركية الأمريكية نتيجة موقف الولايات المتحدة في ملفات أساسية تعتبرها الحكومة التركية تمس أمنها القومي، وعلى رأسها الدعم الأمريكي للجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، هذا غير رفضها التخلي عن رأس النظام السوري الذي اعتبرته أنقرة السبب الأساس في الإرهاب الذي تدعي الولايات المتحدة محاربته.
لم تحدث هذه الزيارة بعد، وليس هناك أية إشارة على تغيير في موقف الإدارة الأمريكية الحالي إذ دخلت حالة العطالة السياسية بسبب قرب الانتخابات.
إذا اعتبرنا أن الموقف التركي متفائل بالتغيير الذي يمكن أن يحصل في القضية السورية، فليس هناك بين هذه المواقف الدولية أي مؤشر يمكن أن يؤدي إلى تفاؤل، ولكن أليست هناك مجريات مهمة على الأرض غير هذه الأحداث؟
المعروف أن صوت السلاح يغطي على الأصوات الأخرى كافة، ولكنه لكل قاعدة استثناء على ما يبدو، فهناك معركة حامية الوطيس تدور في ثاني أهم المدن السورية، وهي أشد المعارك التي شهدتها الساحة السورية بحسب غالبية المراقبين. وتدور هذه المعركة بالتزامن مع النشاط الدبلوماسي الذي تقوم به تركيا، ألا يمكن أن يكون لهذه المعركة دور بالتفاؤل التركي؟
لو عدنا قليلاً إلى الوراء، وبدأنا من خطاب الأسد الذي قال فيه إنه سيدفن ما أسماها الأحلام الأردوغانية في حلب. فقد جرى بعد تلك المعركة تنسيق بين القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة من جهة، وروسيا وإيران من جهة أخرى، وتمكن هذا التحالف من قطع طريق الإمداد إلى حلب الشرقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة.
بعد تلك الخطوة أعلن أيضاً ممثل الولي الفقيه في الضاحية الجنوبية لبيروت حسن نصر الله ما أسماه “نهاية الأحلام الإمبراطورية” في حلب، وبالطبع هو لا يقصد الأحلام الإمبراطورية الساسانية المعلنة، بل الأحلام الإمبراطورية العثمانية غير المعلنة. وما إن بدأت الاحتفالات وتوزيع البقلاوة احتفالاً بانتصار النهج الإيراني في سورية، انفجرت معركة حلب التي لم تكن مفاجئة كما يروج لها “الممانعون”، فمن يعود إلى تصريحات “أحرار الشام” يجد أنهم أعلنوها يوم عدم مشاركتهم بمعركة الكاستيلو، ولكن نشوة النصر أخذت “محور الممانعة” على ما يبدو، ولم يبالِ لهذه التصريحات.
حققت معركة حلب في مراحلها الأولى نجاحات مهمة أدت إلى فتح ثغرة في حصار حلب الشرقية وإن كان الطيران يستهدفها على مدار اليوم، وبعد استراحة قصيرة أو هدنة، أو مهلة بحسب تسمية جيش الفتح، جاءت المرحلة الجديدة لهذه المعركة.
يعتبر ممثلو ما يسمى “حلف الممانعة” أن معركة حلب حاسمة، وتغير التوازنات كلها، فلماذا لا يكون هذا الأمر صحيحاً؟ ألا يمكن أن يكون رئيس الحكومة التركية أيضاً مثله مثل الطرف الآخر يعتبر معركة حلب مصيرية، ويعلق عليها آمالاً، وفي حال نجاح المعارضة السورية المسلحة سيجلس الطرف الآخر إلى مائدة المفاوضات أضعف، ويضطر لتقديم تنازلات، أسماها بن علي يلدرم تطورات مهمة؟
___________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
