عبد الحافظ الصاوي يكتب: المهاجرون العرب وعودة استثماراتهم

إن ما تفتقده الدول العربية الآن في مجال الاستثمار ليس بالشيء الهين، ومن أبرز ما تفتقده الدول العربية، الاستقرار السياسي والأمني، واستمرار النظم الديكتاتورية في السلطة

عبدالحافظ الصاوي*

شهدت تونس مؤخرًا الملتقي الاقتصادي للمستثمرين التونسيين في الداخل والخارج، وانتهى الملتقى بدعوة المستثمرين التونسيين بالخارج إلى تحويل الجزء الأكبر من عوائدهم المالية إلى تونس، التي تراجعت مواردها من العملات الأجنبية جراء تراجع السياحة والصادرات.

ودعوة تونس لرجال أعمالها بالخارج لملتقيات أو مؤتمرات حول الاستثمار في تونس، تجربة مكررة لما حدث في مصر على مدار أكثر من عقدين من الزمن تحت عنوان “مؤتمر المصريين المقيميين بالخارج” والذي لم تتحقق منه أي ثمار ملموسة، وهي النتيجة التي سوف تنتهي إليها التجربة التونسية، وكذلك في كل الدول العربية.

إن الثمرة الوحيدة الإيجابية التي جنتها مصر وتونس وغيرهما من الدول العربية، من مهاجري الخارج، هي التحويلات النقدية التي تتم لأسر المهاجرين وذوي قرابتهم، حيث تعد التحويلات في أكثر من بلد من أهم موارد النقد الأجنبي بالدول العربية، وهو مورد ريعي، ويتأثر بشكل كبير حسب التداعيات الخارجية، كما هو حادث الآن في مصر من تراجع التحويلات بنحو 4 مليارات دولار خلال عام 2015/2016، بسبب الأزمة الاقتصادية في منطقة الخليج.

في عام 2015 صدر تقرير منظمة النزاهة المالية العالمية ليشير إلى خروج أموال -تقدر بمليارات الدولارات على مدار الفترة 2004 – 2013- بطرق غير مشروعة من 5 دول عربية، ومع ذلك لم تخرج دولة عربية واحدة لتبرأ موقفها، أو لتعلن عن حزمة من الإجراءات لمواجهة هذه الظاهرة السلبية، أو أنها ستكشف عن دور المسئولين أو المؤسسات وتقديمهم لمحاكمات. مما يطعن في مناخ الاستثمار بتلك الدول.

إن دعوة بعض الدول العربية لمواطنيها بالخارج لاستثمار أموالهم في البلد الأم، أو تحويل العوائد المالية لأعمالهم للداخل، هو نوع من الهروب للأمام، أو التعلق بوهم عودة هذه الأموال، وتحميل المسئولية على أسباب خارجية، في محاولة للتهرب من مسئولية تدهور الاقتصاديات بالدول العربية.

إن أكبر دليل على عدم مصداقية هذه الدعاوى، هو افتقاد هذه الدول لحالة نجاح حققها مهاجرو الخارج بالاستثمار في بلدهم الأم.

• السؤال الغائب
إن منظمي مثل هذه الملتقيات أو المؤتمرات يغيب عنهم سؤال مهم، وهو لماذا هاجر رجال الأعمال العرب خارج بلدانهم واستقروا في بلاد المهجر، وكيف كونوا رؤوس أموالهم، وكيف نجحوا؟ إن الإجابة على هذه السؤال كافية بأن تكون أجندة عمل لوزارات الاستثمار في الدول العربية.

رأس المال جبان، وهو يهدف للربح أولًا في أي بلد ولدى أي فرد، وتتحرك العاطفة الوطنية، أو العمل في إطار مشروع تنموي تقدم فيه تضحيات، يأتي بعد أن تكون هناك دلالات وشواهد على مناخ صحي على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

فرجال الأعمال العرب في المهجر نجحوا لأنهم يعملون في بلدان المهجر في ظل سيادة القانون، وقواعد منظمة للمنافسة، لا تعرف الوساطة أو المحسوبية أو الرشوة. والمهاجرون العرب وجدوا في بلدان المهجر اعتراف بإنسانيتهم، ويتعرضون لبرامج مركزة على الصعيدين الاجتماعي والفكري للاندماج في تلك المجتمعات ليكونوا جزء من نسيجها، وعادة ما يتحقق لبلدان المهجر ما يستهدفونه من اندماج المهاجرين في الجيل الثاني وما يعقبه من أجيال.

والمهاجر العربي شأنه شأن المستثمر الأجنبي، سوف يأتي للاستثمار بعد أن يتبين أن مناخ الاستثمار في تلك البلد اصبح مغريًا، وأن المستثمرين المحليين جنوا ثمار هذا المناخ، من مكافحة الفساد والرشوة، ووجود توظيف حقيقي لعوائد الضرائب في الموازنة العامة للدولة، من خلال توفير بنية أساسية جيدة، ووجود خدمات صحية وتعليمية ينعم بها المواطن، وأن الجهاز المصرفي لديه أجندة ائتمانية قائمة على تشجيع الاستثمار الحقيقي والإنتاجي ذو القيمة المضافة العالية.

• فرص الاستثمار
عادة ما تضم ملتقيات ومؤتمرات رجال الإعمال المقيمين بالخارج على عرض لفرص الاستثمار المتاحة في الدولة الأم، وكأن المهاجرين مقطوعي الصلة بدراسة فرص الاستثمار، إن ما يتم في هذه المؤتمرات هو مجرد تظاهرة إعلامية، فرجل الأعمال قد يستفيد من عرض لمجالات فرص استثمارية، ولكنه من أولى اهتماماته في حالة رغبته في التوسع أو البحث عن مجال أو مكان جديد، أن يسعى هو عبر مكاتب الخبرة أو من خلال مستشاريه للبحث عن فرصة مناسبة.

إن ما تفتقده الدول العربية الآن في مجال الاستثمار ليس بالشيء الهين، ومن أبرز ما تفتقده الدول العربية: الاستقرار السياسي والأمني، واستمرار النظم الديكتاتورية في السلطة، وهو ما يمنع المستثمر من اتخاذ قرار بالعودة أو المشاركة في أي نشاط اقتصادي في بلده الأم، ليقينه بأنه في حالة وجود خلاف لن يكون للقانون هيبة ولا تتوفر فرص التقاضي النزيه.

كما تمتلك الدول العربية سجلًا غير مشرف في مجال الفساد وهروب الأموال للخارج، فكيف تعود أموال المهاجرين أو المستثمرين من الخارج، ورجال السلطة والمسئولين وغيرهم يعملون على هريب الأموال للخارج؟ فتقرير منظمة النزاهة المالية العالمية لعام 2015، أشار إلى أن الأموال التي خرجت من مصر بصورة غير مشروعة بلغت 39.8 مليار دولار في الفترة 2004-2013، وضم التقرير نحو 149 دولة على مستوى العالم، من بينهم دول عربية، منها العراق التي احتلت المرتبة 16، وقطر المرتبة 30، وسلطنة عمان 32، والمغرب 36.

وبعد هذه القائمة التي تضم بلدان عربيًا، يحق لرجال الأعمال العرب بالخارج أن يحتفظوا بأموالهم في مهجرهم، حتى لا يضطروا إلى العمل لإخراج أموالهم بطرق غير مشروعة فيما بعد من بلدهم الأم.

________________________

*كاتب مصري وخبير اقتصادي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان