محمد منير يكتب: النضال وأكل العيش

لو صادفكم من يردد عبارة “النضال ما بيأكلش عيش”، انظروا إليه لو كان من النوع الأول، وقولوا له “صدقت”، لو كان النوعين الآخرين فقولوا له “صدقت هو ما بيأكلش عيش هو بيأكل الشهد”. يتبع
![]() |
محمد منير*
ما رأيكم فى مناقشة المفاهيم المجردة بعيدًا عن السياسة والاختلافات والصراعات، هذا ما سوف أحاوله فى هذا المقال حول “النضال وأكل العيش”، فالتجريد أكثر آماناً وسلماً.. وكفى الله المصريين شر القتال.
عجبت لعبارة انتشرت بشكل صاخب حتى أصبحت أقرب للشعار أو المبدأ، يزداد وضوحها وصخبها وضجيجها يومًا بعد يوم بل ساعة بعد ساعة، لاسيما وأن أصحابها والمرددين لها من نجوم عصر الفضائيات “المؤثرين” أصحاب الروائح النفاذة والعلاقات الدبلوماسية المربحة.
العبارة يا سادة هى التى يرددها أصحابها وهم يتنهدون ويهزون رؤوسهم فى حكمة واثقة ثقة أولى الأمر والمتحكمين فى الأرزاق: “النضال مابيأكلش عيش”.
ربما يتوقع القارئ أن تعجبى من هذه العبارة نابع من رفض لها، والعكس هو الصحيح أنا أتفق مع العبارة تماماً، وأؤكد مع إخواتى “المزفلطين” أصحاب الروائح العالمية النفاذة ، نعم النضال من أجل الوطن والمبدأ والعقيدة ” ما بيأكلش عيش” بل على العكس هو ينتقص من لقمة عيش المناضلين.
ما رأيكم فى أن نلجأ للتجريد والابتعاد عن الواقع العملى لفهم معنى الكلمة.. الكلمة فى معجم المعانى الجامع تعنى لغويا كَافَحَ، دَافَعَ، حَامَى. إذاً فالمناضل هو المكافح والمدافع والحامى للوطن أو المبدأ أو للضعيف أو لأى شىء يرى أنه يستحق الزود والدفاع عنه.
ومن هنا تتأكد أول حقيقة، وهى أن النضال يستلزم قناعة المناضل بما يناضل من أجله.. وبصفة عامة السلوك والفعل بالاقتناع يا سادة لا يميلان إلى الربح الذاتى أو المكسب الفردى، ولكن هذا لا ينطبق بحرفية على كل أنواع النضال.
نعم النضال أنواع، وطبقا لنوع النضال ربما نستطيع أن نتفهم ونقرب وجهات النظر حول عبارة “النضال ما بيأكلش عيش”.
ثلاثة أنواع للنضال
أول هذه الأنواع هو النضال من أجل المبدأ أو العقيدة أو الوطن أو الفكرة، وكلها نضالات من المؤكد أنها ليس لها علاقة بأكل العيش، بل على العكس هى تنتقص من قدرة صاحبها على تحصيل ما كتبه الله له من رزق ومستلزمات المعايش، ومرجعية هذا الموقف تعود إلى أن أصحابه يرون أن نضالهم تجارةٌ لا تبور، ربحها يعود عليهم فى انتشار المبدأ والعقيدة والوطن الحر، والذين يجدون فيه الأمن والسلام ليس لأنفسهم فقط وإنما للجميع.
النوع الثانى من النضال، وهو النوع الوسيط، وغالبا ما يتعلق بالدفاع عن الوطن، ومن أجله ابتكر البشر ما يعرف بالجيش المحترف الذى يدافع عن الوطن وعن أبنائه، ويكون المنتمون إليه من المتفرغين لهذه العملية، لهذا فهم يستحقون أجرًا عما يقومون به يعينهم على المعايش ويعوضهم عن المخاطر التى تحيط بحياتهم من أجل الدفاع عن الوطن، وهذا نوع من النضال له كل الاحترام حتى لو كان بمقابل، فأصحابه اختاروه بمحض إرادتهم، وفضلوه كوظيفة عن وظائف كثيرة لأكل العيش أكثر أمناً وأكثر ربحا.. ربما يعيبه فقط هو وقوع أصحابه بحكم سياسة الضبط والربط، والتى تشكل العقيدة الأساسية للجيوش، تحت سيطرة حكام وحكومات ربما تكون ظالمة ومجحفة، فتتحول الجيوش بقدرة قادر من أدوات للدفاع عن الوطن وحمايته إلى أدوات للقمع والسيطرة وحماية الحكام وأصحاب المصالح.
النوع الثالث من النضال، وهو نضال الربح والتربح والصعود والنجاح النجومى، وهو نضال هدفه بوضوح الربح، ولهذا فالمبادئ والمواقف بالنسبة لأصحابه أدوات تتغير وتتلون وتتطور بحسب المصلحة، وأصحاب هذا النوع يستخدمون كل القيم والمبادئ كأدوات بحسب الموقف، ومخزن أدواتهم مملوء بألفاظ وكلمات الإنسانية وعشق الوطن والدموع والشرف والإخلاص، يتم صرفها تباعا حسب الموقف والاستخدام.
مناضل النوع الأول عاشق للوطن، ومناضل النوع الثانى عاشق لوطن الحاكم، ومناضل النوع الثالث عاشق لاستغلال الوطن.
لهذا يا سادة لو صادفكم من يردد عبارة “النضال ما بيأكلش عيش”، انظروا إليه لو كان من النوع الأول، فقولوا له: “صدقت”، ولو كان النوعين الآخرين فقولوا له: “صدقت هو ما بيأكلش عيش هو بيأكل الشهد”.. ولهذا فالعبارة صدق فى كل الأحوال ولكل امرئ ما نوى.
الكلمات لا ترتبط بحروفها وإنما ترتبط بمحتواها وصدقها…. صدقت يا رسول الله عندما قلت ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه” .
______________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
