ممدوح الولي يكتب: شروط قديمة لصندوق النقد

                 ممدوح الولي*

في إطار مراقبة صندوق النقد الدولي للنظام النقدي بالعالم ، يقوم خبراؤه بزيارات ميدانية للدول الأعضاء به، عادة ما تكون سنوية، يقوم خلالها هؤلاء الخبراء بالتعرف على البيانات الاقتصادية المالية والنقدية أي المتعلقة بإيرادات ومصروفات الموازنة، وأداء الجهاز المصرفي والبنك المركزي وسعر الصرف والتضخم.

ويعود الخبراء لعرض حصيلة جولتهم على المجلس التنفيذي للصندوق، والذى يصدر بعدها بيانا يتضمن ملاحظاته وتوصياته وما يراه مناسبا من وجهة نظره لتحسين الأداء المالي والنقدي لهذا البلد.

زيارات الصندوق وتلبية طلباته
وفيما يخص الزيارات الدورية لخبراء الصندوق لمصر ، فسنجد أن زيارتهم لمصر في يوليو/تموز 2006 أسفرت عن عدد من الملاحظات، منها المطالبة بضبط أوضاع المالية العامة أي الموازنة ، من خلال ترشيد الدعم على الوقود ، والحد من ارتفاع مجمل أجور العاملين بالحكومة، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وإعادة هيكلة البنوك المملوكة للدولة  (خصخصتها ) وبيع البنوك المشتركة أي التي تشترك البنوك العامة في نسبة من ملكيتها ، وإتاحة مرونة أكبر لسعر صرف الجنيه ( خفض الجنيه) .

وعندما تتم مقارنة التوصيات مع الواقع الاقتصادي المصري خلال السنوات الماضية، نجد تنفيذا لأغلب تلك المطالب ، مثلما حدث مع خصخصة أحد البنوك العامة ( بنك الاسكندرية) وبيع حصص البنوك العامة في البنوك المشتركة، وإنشاء المحاكم الاقتصادية وشركة بيانات الاستعلام عن عملاء البنوك وغير ذلك.

والمتابع للبيانات الصادرة عن الصندوق يجد مطالب الصندوق في  تقريره الصادر في مارس/آذار 2010، أي قبل ثورة يناير بتسعة أشهر، متشابهة مع ما سبق.

وفى تقرير الصندوق عن مصر والصادر في يناير/كانون الثاني 2015 تتضمن التوصيات  إصلاح المالية العامة، وخفض الدين العام وخفض الدعم على الوقود والكهرباء ، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة واتباع سياسة أكثر مرونة لسعر الصرف وتشجيع الائتمان للقطاع الخاص، وهى التوصيات التي لا تختلف في شيء عما جاء في بيان الصندوق خلال شهر أغسطس/آب الحالي ، بعد زيارة وفد الصندوق الأخيرة لمصر. ومن هنا نؤكد أن خفض دعم المنتجات البترولية في  يوليو 2014 كان استجابة لمطالب الصندوق ، وأن خفض الجنيه بنسبة 14 % في مارس الماضي كان استجابة للصندوق.

 وكذلك  التصريحات التي صدرت عن محافظ البنك المركزي منذ شهور بتجهيز أحد البنوك العامة ( بنك القاهرة ) لطرح نسبة من أسهمه للاكتتاب العام ، وكذلك خفض دعم الكهرباء ثلاث مرات.

قرارات مؤلمة 
من كل ما سبق يتبين أن ما قاله مسؤولون مصريون من أن برنامج الإصلاح الذى سيتم اتباعه مع الصندوق هو برنامج مصري خالص ، أمر غير صحيح ، فلقد كانت هناك مفاوضات مع الصندوق منذ شهور لطلب الحصول على قرض منه ، واستمرت التهيئة لضمان الموافقة ، بعد توقف المعونات والقروض الخليجية ، وصعوبة الاقتراض الخارجي.

ولهذا استعدت الحكومة لاتخاذ قرارات وصفها  رئيس الوزراء شريف اسماعيل قبيل إعلان بيان الحكومة  بأنها مؤلم ، ثم تم تأجيل إعلانها  حتى تمر ذكرى الثلاثين من يونيو بسلام ، وعندما مرت الذكرى بلا مفاجآت أعلنت الحكومة أنها كانت تتفاوض مع الصندوق ورحبت بزيارة وفد من خبرائه لإتمام اللمسات الأخيرة على الاتفاق والتي تمت خلال أسبوعين فقط.

ولا يصح التعامل مع المصريين باستخفاف بادعاء أنه لا توجد شروط من قبل الصندوق لمنح القرض لمصر، فهو أمر يتنافى تماما مع أسلوب عمل الصندوق ، فهناك دائما شروط للإقراض حتى  أن هناك فصلا خاصا ضمن أعماله تحت عنوان مشروطية قروض الصندوق!

وحتى بعد الموافقة على  القرض فإنه يتم إعطاؤه للبلد المقترض على فترات دورية نصف سنوية ، وقبل موعد كل قسط يتم تقييم مدى الالتزام بتنفيذ توصيات الصندوق ، فإذا تبين وجود بطئ في تنفيذها  يتم تأجيل تقديم القسط .

رؤية الصندوق ومصالحه
ومن المؤكد أن  رؤية الصندوق وتوصياته تتسق مع أهدافه ومصالحه ، والتي قد لا تتسق بنفس الدرجة مع  أهداف وأوليات الدولة المقترضة، حيث يقوم الصندوق بالإقراض حتى يضمن انتظام سداد القروض التي على  البلد المقترض للدول المقرضة، وحتى لا تنشأ ظاهرة عدم سداد الديون مما يحدث ارتباكا في النظام النقدي الدولي .

أيضا يهيئ الصندوق المجال للاستثمارات الأجنبية أن تجد مجالا للنفاذ داخل البلد المقترض ، بنفس المعاملة التي تتم مع الاستثمارات المحلية ودون تمييز ، وأن تتوفر لها فرص الربح والخروج بتلك الأرباح في يسر ، وأن تعمل في ظروف تضخم معتدل وتجد التمويل الميسر من داخل ذلك البلد ، ولهذا يحرص على توفير الائتمان المصرفي للقطاع الخاص مع تقليل الاقتراض الحكومي من الداخل.
 

ويهيئ للاستثمارات الأجنبية المجال لشراء حصص من الشركات المحلية أو الاستحواذ على جانب منها بالكامل ، كما يسعى لخلق فرص استثمار دولية من خلال طرح الدول المقترضة سندات بالأسواق الدولية ، بأسعار فائدة مرتفعة تزيد كثيرا عن معدلات الفائدة السائدة بالدول الكبرى أو تقديم المزيد من القروض من دول وهيئات أخرى
وبالطبع لا يكترث الصندوق كثيرا بالآثار السلبية لتلك الإجراءات على  العمالة ، التي يتم التخلص منها سواء بالحكومة أو بالشركات العامة ، أو بزيادة الأسعار الضارة بالفقراء ، والطبقة المتوسطة ، لكنه لتحسين صورته يتحدث عن وجوب حماية اجتماعية للطبقات المتضررة ، من خلال توصياته بتوجيه بعض المخصصات المالية للفقراء .
 لكن هذا يتم على نطاق محدود لا يتناسب مع الأعداد الضخمة من المضارين من  توصياته .

_________________

*خبير اقتصادي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان