طه خليقة يكتب: عمران ..

الروس بعد الإيرانيين ومليشياتهم جاءوا ليزرعوا الموت، لا لينشروا السلام في سوريا، وفي أي مكان تحط فيه راياتهم الحمراء والسوداء، رمز الدماء والظلام
طه خليفة*
![]() |
هو الطفل الذي تصدرت صورته صحف وتلفزيونات العالم يوم الخميس 18 الجاري، ومازال الحديث عنه قائما.
صورة عمران تعبير جديد عن المأساة في سوريا، مأساة شعب يتعرض لحرب إبادة شاملة لا تبقي ولا تذر.
حرب ضد من هم في الداخل، وتشريد وإذلال لمن هم في الخارج.
صورة عمران هى تجسيد لوجه الحرب بكل بشاعتها وفظاعاتها وويلاتها.
لم يكن عمران وحده، خرجت شقيقته من تحت أنقاض قصف الحقد مغبرة مخضبة بالدماء مثله، بينما شقيقهما ودع الحياة.
جنون القصف، وجنون القتل في سوريا بلا حدود، وبلا نهاية.
تحول القتل إلى غاية وهدف ومقصد وعمل روتيني.
السماء للروس وتابعهم في سوريا يقصفون ويقتلون كما يشاءون عمران، ووالد عمران، ووالدة عمران، وأشقاء عمران، وجيران عمران، وكل عمران من المدنيين طفلا أو امرأة شيخا أو شابا، في كل مكان يصمد فيه سوريون، أو يُحاصرون، أو يقولون “لا” للطغاة.
الروس بعد الإيرانيين ومليشياتهم جاءوا ليزرعوا الموت، وليس لينشروا السلام في سوريا، وفي أي مكان تحط فيه راياتهم الحمراء والسوداء، رمز الدماء والظلام.
هذا المعسكر الداعم للأسد جميعه لا يؤمن بثقافة الحياة، يؤمن بثقافة الموت، إزهاق الروح، سحق الإنسان، تحالف الطغيان السياسي والديني الطائفي المذهبي التاريخي، بنظرة على ما يفعلونه بشعوبهم من قهر يتكشف لماذا هم مؤتلفون متحدون؟.
وقاحة الروس تبلغ المدى عندما يدّعون أنهم لم يشنوا غارات في ذلك اليوم على الحي الذي قُصف فيه بيت عمران!.
هل ذلك يبرئهم؟، هم كانوا في هذه اللحظة يقصفون بيت عمران آخر في إدلب أو حمص أو ريف دمشق أو الحسكة أو دير الزور أو الرقة.
لم يكونوا في إجازة من سفك الدماء البريئة الطاهرة.
لم يكونوا في حالة سلام مع شعب سوريا، لم يكونوا في هدنة ومراجعة لعدد الضحايا من المدنيين منذ سيطرت مقاتلاتهم على سماء هذا البلد تستبيح كل شبر فيه لتثبت أنها قوة عظمى قديمة جديدة عائدة متجبرة متغطرسة مستكبرة على أجساد من بقي من السوريين في مناطق الحرب والحصار.
محاولة التطهر للروس من مجزرة يوم الخميس ومن مجزرتها الممتدة بأن تجلب حليفها إلى التفاوض والسلام العادل لتضع الحرب أوزارها.
بدون ذلك فلا براءة للروس ولا إنسانية لديهم إنما يبقون قتلة مجرمين سفاكين للدماء التي تسكرهم وتجعلهم في حالة نشوة في الكرملين ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي ومجلس الدوما.
هل رأيتم صورة عمران مغبّر الشعر والوجه، والدماء تغطي وجهه وملابسه شديدة الاتساخ مما علق بها من تراب وغبار ونار ورماد القصف؟.
الطفل الصغير يجلس على الكرسي في سيارة الإسعاف مذهولا، لا يدري ما يحدث له، ولا ما يحدث حوله، وتلك صورة لن تُنمحي من ذاكرته، ولا من ذاكرة من رآها، هل نسينا صورة إيلان؟، لن ننساها وهو مُلقى على وجهه على الشاطئ بعد وفاته غرقا أثناء فرار عائلته عبر البحر من تركيا إلى أوربا، لكن صورة عمران أشد قسوة، على الأقل كانت لدى عائلة إيلان فرصة البقاء في مخيم تركي، لكن عمران يفتقد المخيم الآمن والبيت الآمن والشارع الآمن، ويفتقد الطعام والشراب ولا يعرف اللهو واللعب.
كم عمران يتم انتشالهم كل ساعة من تحت الانقاض قتلى أو جرحى أو في حالة الذهول المرسومة على وجوههم دون أن يدركوا وهم في هذه السن ماذا يعني ذلك الذهول؟.
هل صورة عمران يمكن أن تستفز ضمير الإنسانية؟.
أين تلك الإنسانية من مئات الآلاف الذين قُتلوا ويُقتلون في سوريا منذ 6سنوات ومنهم الأطفال والنساء، ومنهم كل روح حية خلقها الله لتنعم بالحياة لا لتشقى فيها وتفتك الصواريخ والبراميل بأجسادها النحيلة.
الإنسانية ماتت والضمير غائب في عالم بلا قلب، ينسق ويخطط لمزيد من القتل، وليس لفرض السلام.
الروس يؤمنون بسياسة الأرض المحروقة، وهذا دأبهم قديما وحتى اليوم، أباد الاتحاد السوفيتي السابق الملايين من الشعوب التي ضمها عنوة إليه لتشيكل إمبراطوريته وانتهى الاتحاد، لكن أخذت روسيا منه سياسة الإبادة والأرض المحروقة وتطبقها في كل منطقة لا تريد أن تدور في فلكها، ولا أن تخضع لها، والشيشان لا تُنسى.
يطبق الروس سياسات السحق الشامل في سوريا، في دولة شرق أوسطية بعيدة عنها سلمها حاكمها لهم يمارسون فيها هوايتهم وغوايتهم وجريمتهم وأحقادهم على بقايا شعب، وعلى فصائل معارضة لا هى بقدرات دول عادية ولا هى بجيوش نظامية ومع ذلك لا يستطيعون إخضاعها ولا هزيمتها.
الروس أمام ذلك يُصابون بالهوس في القصف والسعار في القتل.
إذا كانت السماء لهم ولحليفهم الدموي فإن الأرض لن تكون لهم.
رغم مئات الآلاف من الضحايا ومن الدمار على الأرض إلا أن هذه الحرب المجنونة تثبت أن من لديه قوة الإيمان بالمبدأ والقيمة والحق والهدف لا يمكن هزيمته، هذا الشعب الراغب في التحرر من الطغيان وأولئك المقاتلون المدافعون عن هذا الشعب صامدون منذ 6 سنوات، بل ويكتسبون أرضا وينتصرون في معارك ويكسرون الحصار هنا وهناك
وفك الحصار حول حلب أطاح بعقل الروس فقد اعتقدوا أنها ساعات أو أيام وسيتم استعادة المدينة الكبرى كلها ولن يكون هناك معنى لمفاوضات جديدة أو لو عُقدت ستكون لفرض شروط الإذعان.
عن ماذا يدافع النظام والروس؟، عن كرسي يجلس عليه حاكم لم يختره شعبه، بل مفروض عليه بقوة الانقلاب ثم التوريث.
حاكم مفروض بقوة السلاح والترويع وأجهزة الأمن الكثيرة والسجون والمعتقلات وأهوال التعذيب والإخضاع والقهر والقمع وإلغاء السياسة والحريات وإلغاء الإنسان نفسه.
لا شيء غير ذلك يتمسك به الحاكم ومن معه لذلك لم يستطع بمفرده رغم جيشه وشرطته وأجهزة أمنه وشبيحته أن يواجهوا جماعات من الهواة من الشعب خرجوا للدفاع عن أنفسهم فقط ومع مواصلة المواجهات تدربوا وحصلوا على الخبرة القتالية وبدأوا ينتزعون الأرض.
تقاطرت عليه الدول من إيران إلى روسيا والصين والمليشيات والمرتزقة من لبنان والعراق إلى باكستان وأفغانستان حتى لا يسقط، ومع ذلك فإن جماعات الهواة التي تمرست مازالت تصد وتواجه وتقاوم وتنتصر.
هل يدرك الروس هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وسقوط أمريكا في مستنقع فيتنام، وهروبها من العراق، لن يتحقق للروس ما يريدونه في سوريا بسهولة بدليل أن أكثر من عشرة أشهر من تجريب أحدث ما لديها في ترسانتها من أسلحة ولم تنجز ما تريده تحت يافطة حرب الإرهاب المزعومة.
طالما عمران خرج حيا من الموت فإنه لن ينسى، ولو ظلت الحرب مشتعلة حتى يكبر ويكون قادرا على حمل السلاح فإنه سيكون مقاتلا فيها.
العقل والإنسانية والضمير والتاريخ وتجارب الحرب والاقتتال المأساوية في العالم كله قديما وحديثا تثبت شيئا واحدا فقط نافعا ومفيدا وصحيحا وعمليا وهو أنه لا حل إلا بالسلام.
السلام والحياة لسوريا وللسوريين.
______________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
