عبد القادر عبد اللي يكتب من أنقرة: معادلة تركيا المستحيلة

عبد القادر عبد اللي*

 
عادت إلى التداول في هذه الأيام نظرية أحمد داود أوغلو التي أطلقها عندما كان كبير مستشاري رئيس الحكومة التركية الأسبق رجب طيب أردوغان. وتسمى هذه النظرية: “صفر مشاكل”.
أطلق داود أوغلو هذه النظرية في مطلع الألفية الثالثة بوصفها رداً على الاتحاد الأوربي الذي اشترط على تركيا حل مشاكلها مع دول الجوار للبدء بمفاوضات انضمامها إلى الاتحاد، فقد أعلن الناطقون باسم الاتحاد حينئذ أنهم غير مستعدين لاستقبال مشاكل تركيا مع جيرانها لتكون مشاكلهم.
لم تكن المشكلة العراقية قد وصلت إلى أبعادها الراهنة، وكانت القضية العراقية قضية دولية باعتبارها تحت الفصل السابع من قرارات مجلس الأمن، ولكن القضايا المعلقة بين أنقرة ودمشق كانت قد حُلت قبل طرح هذه النظرية وتأسيس حزب العدالة والتنمية نفسه من خلال اتفاقية أضنة الأمنية لعام 1988، وزيارة رئيس الجمهورية التركية الأسبق أحمد نجدت سيزار للمشاركة في جنازة حافظ الأسد، واجتماعه مع الوريث بشار الأسد يومئذ، والإعلان عن فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين.
بالنسبة إلى العلاقة مع أرمينيا جرى نوع من تلطيف الأجواء، واعترفت تركيا بما أسمته “مجازر”، ولكن الأرمن أصروا على أنها “إبادة عرقية”، وطالبت تركيا بأن تُحل هذه القضية عبر لجان علمية، لا سياسية، ولكن أرمينيا بقيت مصرة على موقفها، ولم تصفّر هذه المشكلة. وهناك قضية خلافية أخرى هي قضية المنطقة المتنازع عليها بين أذربيجان وأرمينيا إذ تؤيد تركيا شقيقتها التركية أذربيجان.
في القضية القبرصية قبلت تركيا بما تقرره الأمم المتحدة مع الحفاظ على صفتها “ضامنة” إضافة إلى الدولتين الضامنتين الأخريين إنجلترا واليونان. وعلى الرغم من قطع شوط طويل على طريق حل هذه القضية، والتوصل إلى نقط لم يتم التوصل إليها من قبل، إلا أن القضية تعثرت، ولم تصل إلى نتيجة نهائية.
على الرغم مما كان يسمى “الاستقرار السياسي” في المنطقة، لم تستطع تركيا الوصول إلى ما أسماه داود أوغلو “صفر مشاكل” بالمعنى التام للكلمة، ولكن التوتر قد انخفض بالفعل مع تلك الدول، وبدأت تُقدّمُ صورٌ من التواؤم والانسجام. وخطت تركيا خطوات مهمة على صعيد التقارب مع الدول العربية، وخاصة سوريا.
اختلفت ظروف اليوم كثيراً عما كانت عليه عند طرح “نظرية صفر مشاكل”، فتركيا تريد أن تكون لاعباً إقليمياً يحمي مصالحه الاستراتيجية. وعلى الرغم من أهمية الاقتصاد، ولكن المصالح الاستراتيجية لا يمكن حصرها فيه. فبالنسبة إلى تركيا تعتبر “وحدة الأرض والأمة” من أهم مخاوفها على الصعيد الاستراتيجي.
تعتبر القضية الكردية من قضايا تركيا المزمنة التي تهدد وحدة أراضيها. فعلى الرغم من التفاوت الهائل بالأرقام التي تطرح حول أعداد الأكراد في تركيا، فالحقيقة المُتفق عليها أن عددهم الأكبر هو في تركيا، وحتى إن عددهم في تركيا يتجاوز مجموع عددهم الموزع على إيران والعراق وسورية. وهكذا من البديهي القول إن انفصالهم في تركيا هو العامل الأساسي لتشكيل دولة قومية للأكراد. لذلك طالما لعبت دول الجوار بهذه الورقة للضغط على تركيا، واستغلت بعض الأحزاب الكردية هذا الأمر للاستفادة من تناقضات دول الجوار مع تركيا لصالحها. وهكذا يمكن اعتبارها مشكلة تسخن وتبرد بحسب الظروف الإقليمية، وهي اليوم ساخنة.
من جهة أخرى هناك تداخل بين هذه القضية والقضية الطائفية، لأن قسماً كبيراً من الأكراد ينتمون إلى الطائفة العلوية، وحتى إن كثيراً من قيادات حزب العمال الكردستاني تنتمي إلى هذا المذهب.
برزت القضية العلوية في تركيا بشكل جلي فيما سمي احتجاجات تقسيم “أو غزي بارك” (2013) عندما توحد العلويون بانتماءاتهم القومية الكردية والعربية والتركية على رفض تسمية جسر البوسفور الثالث باسم “جسر السلطان سليم الجبار” الذي أطلق عليه اسم “قاتل العلويين” باعتباره السلطان العثماني الذي هزم أول شاه شيعي تبنى هذا المذهب باعتباره مذهباً رسمياً للدولة في إيران إسماعيل الصفوي (1487 – 1524).
وإن لم تبرز هذه القضية ثانية منذ تلك الفترة، ولكنها بقيت جرحاً تتخوف منه الدولة التركية في ظل السياسة الإيرانية التي تتبنى هذه القضية. لذلك لم يجد وزير الخارجية التركي حرجاً من التصريح أثناء زيارة نظيره الإيراني مؤخراً حول مخاطر تأجيج الصراع المذهبي في المنطقة. وهو تصريح يمكن اعتباره من النقط الخلافية الأساسية بين تركيا وإيران.
وعند البحث في قضية الصراع المذهبي، وتخوّف تركيا منه، فهناك العراق وسورية ولبنان واليمن ساحة مفتوحة لهذا الصراع، ومهما بلغت العلاقات بين تركيا وإيران ستبقى هذه القضية مؤرقة بشكل كبير للحكومة التركية خاصة بعد التقارب “السياسي” بين العلويين والشيعة.
وفي الحقيقة أن الخلاف بين تركيا وإيران يتعدى القضية المذهبية، فإيران الشيعية تقف ضد أذربيجان الشيعية في قضيتها مع الأرمن، وتؤيد تركيا (السنية) أذربيجانَ الشيعية في هذه القضية.
الموقف من الانقلابات العسكرية عموماً قضية تؤرق الساسة الأتراك، فقد لعبت الانقلابات العسكرية دوراً سلبياً في السياسة التركية، لهذا نجد محاولات الانفتاح التركي على مصر تصطدم بهذه العثرة.
العلاقات التركية الروسية أيضاً فيها كثير من الألغام، فعلى الرغم من الأخبار المنسوبة لمصادر مجهولة حول توافقات وتحالفات عقدت بين البلدين، فإن التصريحات الصادرة عن المصادر المعلومة مثل رئيسي الجمهورية التركي والروسي أثناء زيارة الأول إلى بطرسبورغ، وقبل أيام قليلة تصريح الناطقة باسم الخارجية الروسية زاخروفا تؤكد على أن “الخلاف بين تركيا وروسيا مازال كبيراً في القضية السورية، ولا يمكن حله في يوم واحد”.
إذا كانت القضية السورية هي نقطة خلاف كبيرى  روسيا وتركيا، فإن هناك قضايا خلافية عديدة منها دعم الموقف من أذربيجان وقضية أتراك القرم.
وهكذا لا يمكن القول إن “نظرية صفر مشاكل” قابلة للتطبيق في الظروف الحالية، ولكن في الوقت نفسه، يمكن القول إن هناك توجه تركي لتخفيض حدة التوتر من أجل إفساح المجال للتقارب في ميادين مشتركة.

_______________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان