عصام تليمة يكتب: تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب!

والكتيب، على صغر حجمه، مملوء بأخبار وآثار عن شمائل الكلاب، من حيث وفائها، وشهامتها، وشجاعتها، ويقارن ذلك بأخلاق الناس التي تغيرت.. يتبع.

عصام تليمة*
هذا ليس عنوان طرفة، ولا مزحة، بل هو عنوان رسالة ألفها أحد السلف، وهو ابن المرزبان المحولي، وله كذلك كتاب: حماسة الظرفاء، وغيرهما من الكتب الأدبية، يقول المؤلف عن سبب تأليف رسالته:  “ذكرت أعزك الله زماننا وهذا وفساد مودة أهله، وخسة أخلاقهم، ولؤم طباعهم” فكيف لو عاش المؤلف لزماننا؟ وراح ينقل عن الصحابة والشعراء ما يؤيد توجهه للرسالة، فنقل عن أبي ذر رضي الله عنه قوله:  كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه. وقول لبيد الشاعر:
ذهب الذي يعاش في أكنافهم       وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وقول أحدهم:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا        سروا وقالوا: مرحبا بالمقبل
وبقي الذين إذا رأوني مقبلا        عبسوا وقالوا: ليته لم يقبل
وقول الآخر:
ذهب الناس وانقضت دولة المج       د فكل إلا القليل كلاب
إن من لم يكن على الناس ذئبا        أكلته في ذا الزمان الذئاب
غير أن الوجوه في صور النا          س وأبدانهم عليها ثياب
لست تلقى إلا كذوبا بخيلا            بين عينيه للإياس كتاب
أما مبرر المؤلف في المقارنة بين الكلاب وبعض الناس، فقال: اعلم أعزك الله أن الكلب لمن يقتنيه، أشفق من الولد على ولده، والأخ الشفيق على أخيه، وذلك أنه يحرس ربه، ويحمي حريمه، شاهدا وغائبا، ونائما ويقظانا، لا يقصر عن ذلك وإن جفوه، ولا يخذلهم وإن خذلوه. وقد رأى عمر بن الخطاب أعرابيا يسوق كلبا فقال: ما هذا معك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، نِعم الصاحب، إن أعطيته شكر، وإن منعته صبر، قال عمر: نعم الصاحب فاستمسك به. ورأى عمر بن الخطاب مع أعرابي كلبا، فقال: ما هذا؟ فقال: من يشكرني، ويكتم سري، قال: فاحتفظ بصاحبك. وقال الأحنف بن قيس: إذا بصبص الكلب لك فثق بود منه، ولا تثق ببصابص الناس، فرب مبصبص خوان. وقال الشعبي: خير خصلة في الكلب أنه لا ينافق في محبته. وقال ابن عباس: كلب أمين، خير من إنسان خؤون.
وراح المؤلف يعدد فضائل وخصال الكلب، وما يؤيد رأيه من كلام العرب وشعرهم، فالعرب تذكره من باب الفأل الحسن، وتسمي به، فمن ذلك: أكلب بن ربيعة، وكلاب بن ربيعة، ومكلب بن ربيعة بن نزار، وكليب بن يروع، ومكالب بن ربيعة بن قذار، وغيرهم، وقد سمت العرب بئرا باسم بئر الكلب، ولذلك قصة طريفة ساقها المؤلف تدل على وفاء الكلب لصاحبه وإن أساء إليه، وقد قال أحد العشراء:
يعرِّج عن جاره وشقيقه        ويرغب فيه كلبه وهو ضاربه
وقد قيل هذا الشعر في رجل من أهل البصرة خرج إلى الجبانة ينتظر ركابه فاتبعه كلب له فطرده وضربه، وكره أن يتبعه ورماه بحجر فأدماه، فأبى الكلب إلا أن يتبعه فلما صار إلى الموضع وثب به قوم كانت لهم عنده طائلة، وكان معه جار له وأخ، فهربا عنه وتركاه وأسلماه فجرح جراحات كثيرة، ورمي به في بئر وحثوا عليه التراب حتى واروه، ولم يشكوا في موته، والكلب مع هذا يهر عليهم ويرجمونه، فلما انصرفوا أتى الكلب إلى رأس البئر فلم يزل يعوي، ويبحث في التراب بمخالبه، حتى ظهر رأس صاحبه وفيه نفس يتردد، وقد كان أشرف على التلف، ولم يبق فيه إلا حشاشة نفسه، ووصل إليه الروح، فبينما هو كذلك، إذ مر أناس فأنكروا مكان الكلب، ورأوه كأنه يحفر قبرا، فجاؤوا فإذا هم بالرجل على تلك الحال فاستخرجوه حيا، وحملوه إلى أهله، فسمي الموضع ببئر الكلب، دلالة على وفاء الكلب.
ومن أشد الصور مقارنة بين خلق الكلب وخيانة بعض الأصدقاء، ما ذكره المؤلف أن الحارث بن صعصعة كان له أصدقاء ندماء لا يفارقونه، شديد المحبة لهم، فراسل أحدهم زوجته، وكان للحارث كلب رباه، فخرج في بعض متنزهاته ومعه أصدقاؤه والصديق الخائن له، وتخلف عنهم ذلك الرجل، فلما بعد الحارث عن منزله، جاء نديمه إلى زوجته فأقام عندها يأكل ويشرب، فلما سكرا واضطجعا، ورأى الكلب أنه قد ثار على بطنها، وثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله ونظر إليهما عرف القصة، ووقف ندماؤه على ذلك وأنشأ يقول:
وما زال يرعى ذمتي ويحوطني     ويحفظ عرسي والخليل يخون
فوا عجبا للخلِّ يهتك حرمتي       ويا عجبا للكلب كيف يصون
والكتيب، على صغر حجمه، مملوء بأخبار وآثار عن شمائل الكلاب، من حيث وفائها، وشهامتها، وشجاعتها، ويقارن ذلك بأخلاق الناس التي تغيرت، ويبدو أنها كانت زفرة من المؤلف ينفس فيها عن نفسه ما يعانيه من سوء أخلاق الناس حوله.
 فماذا لو عاش لزماننا ورأى ما نرى؟

________________

*باحث إسلامي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان