ممدوح الولي يكتب: زيادة تصاريح العمل وتعكير مزاج المصريين

إن تصرفات بسيطة يمكن أن تعكر مزاج المصريين بالخارج، وقد تتسبب في خسارة البلاد أضعاف حصيلة الزيادات التي تم فرضها على استخراج تصاريح العمل. يتبع

                ممدوح الولي*

 في محل البقالة تعجب الزبون من قيام البائع بوضع كل الأصناف التي اشتراها معا في كيس بلاستيك واحد، بينما جرى العرف على وضع الصابون في كيس منفصل، حتى لا تنتقل رائحته إلى الشاي المرافق له بالكيس، فلفت نظر البائع لذلك والذى استجاب متأففا.

وكان قرار الزبون عدم التعامل مع هذا المحل الذى لا يحرص على زبونه، فخسر المحل زبونا كان من الممكن أن يكسب من خلاله الكثير مع تكرار عمليات البيع للأصناف المختلفة.

يشبه هذا الموقف ما قام به البرلمان المصري برفع قيمة الرسوم على تصاريح العمل للمصريين بالخارج، فقد يكون مبلغ الزيادة  قليلا لكن دلالاته أكبر من قيمته، حيث يزداد الشعور بالتعامل مع المصريين بالخارج كمصدر جباية، رغم عدم وجود خدمات مقدمة لهم، وتقصير القنصليات والسفارات بالخارج في رعاية شؤونهم.

تغيير المزاج
ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الموقف سلبيا على كثير من المصريين بالخارج بالامتناع عن أمور كانوا يفعلونها لمساندة بلدهم ، فقد يفضل البعض تأجيل مشترياته من الأجهزة المنزلية من الخارج كي يشتريها من الداخل تشجيعا لصناعة بلده، وقد يلزم البعض أنفسهم بالعودة الصيفية للاصطياف في مصايف بلدهم، بدلا من السفر إلى بلدان أخرى.

وهذه الزيارات الصيفية تتسبب في إنعاش الحركة التجارية من خلال مشترياتهم الغذائية والاستهلاكية ، ويستفيد منها العديد من مقدمي الخدمات بداية من سائقي التاكسي إلى الأطباء والصيدليات وأماكن الترفيه ومحلات الملابس وسوق العقار والسيارات بل والخدمات الحكومية.

ويزيد الأمر سوءا ما يسمعونه من اقتراحات تتجه لإجبارهم على تحويل جانب من دخولهم بالخارج لبلدهم بالعملة الصعبة، كما اقترح رئيس بنك القاهرة، أو اقتراحات فرض ضرائب عليهم، ويزيد من تأثرهم  توقيت المطلب حيث التداعيات السلبية لتراجع أسعار البترول منذ أكثر من عامين، وتعثر كثير من الشركات ببلدان الخليج، وتفضيل تشغيل العمالة الوطنية حتى بالأردن، إضافة إلى الظروف القاسية التي يواجهها المصريون في بلدان مثل ليبيا واليمن والعراق ، والتوجس من العرب والمسلمين في البلدان الأوربية والغربية.

ويمكن أن يتسبب تغيير المزاج العام لكثير من هؤلاء بسبب تصرفات حكومة بلدهم فى إلغاء الإجازة الصيفية ، وفى إيداع مدخراتهم في مصارف بلد العمل بدلا من مصارف بلدهم، والتعامل في بورصات بلدان العمل بدلا من بورصة بلدهم ، وشراء المشغولات الذهبية من الخارج  بدلا من شرائها من بلدهم الأصلي؛ في حين أنه عندما تزيد درجة ارتباطهم ببلدهم يساهمون في توفير عمل لآخرين في بلد المهجر، قد يكونون من أقاربهم أو من مسقط رأسهم أو أصدقائهم ، مما يساهم في تخفيف حدة مشكلة البطالة بالداخل.

وقد يرى البعض أن الاستفادة من تحويلات المصريين بالخارج قد انخفضت في ضوء بيع بعضهم لتلك العملات في بلدان العمل ، وهو أمر غير حقيقي؛ فبيع الدولارات في بلدان الهجرة المؤقتة يتم غالبا لمستورين مصريين لشراء مواد خام وسلع غذائية  للسوق المصرية ، بعد عجز البنوك عن تدبير تكلفة استيرادها لهم.

الثقة الغائبة
كما أن وجود مدخرات لدى هؤلاء تعد بمثابة مخزون احتياطي لمصر يمكن الاستفادة منه وقت ما، عندما تحل الثقة بينهم وبين حكومات بلدهم ، وعادة ما تعود تلك الأموال لمصر عندما يتقاعد هؤلاء أو يكتفون بعدد سنوات معينة من الغربة .

ومن يقومون بتحويل أموالهم لأسرهم خارج الجهاز المصرفي بسبب فارق سعر الصرف الذى وصل لحوالي 40 % ، يساهمون في توفير كم كبير من العملات الأجنبية يغطى جانب من الطلب لولاه لزاد عمق مشكلة نقص الدولار،  خاصة مع كون التحويلات أصحبت تمثل في حجمها المورد الأكبر من حيث القيمة بالمقارنة بالصادرات السلعية وغيرها من موارد العملات الأجنبية ، بل إن المصدرين أصبحوا يحتفظون بحصيلة صادراتهم بالخارج ، بينما المصريون العاملون بالخارج لابد ان ينتظموا في إرسال مبالغ لأسرهم للإنفاق على المعيشة اليومية.

وهكذا فإن تصرفات بسيطة يمكن أن تعكر مزاج المصريين بالخارج ، قد تتسبب في خسارة البلاد أضعاف حصيلة الزيادات ، التي تم فرضها على استخراج تصاريح العمل

_____________________

*كاتب مصري وخبير اقتصادي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان