سمير العركي يكتب: وتحركت الدبابات التركية في اتجاه سوريا

أن تأتي متأخراً خير من عدم المجيء نهائياً ، هكذا بدت أنقرة وهي تحرك دباباتها وآلياتها العسكرية صوب مدينة جرابلس في الشمال السوري

سمير العركي*

 

أن تأتي متأخراً خير من عدم المجىء نهائياً ، هكذا بدت أنقرة وهي تحرك دباباتها وآلياتها العسكرية صوب مدينة جرابلس في الشمال السوري ، في عملية مشتركة مع قوات المعارضة المنضوية تحت لواء الجيش السوري الحر من أجل استعادتها من تنظيم الدولة  “داعش” .
التحرك التركي الجديد – والذي لم يكن مفاجئاً – أعاد تشكيل المشهد السوري المعقد خاصة أنه جاء بعد تردد تركيا في الدفع بقواتها من أجل إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا ، هذا التردد كان له ما يبرره من الأسباب داخلياً وخارجياً ، فعلى المستوى الداخلي تعرضت تركيا للعديد من الأزمات والاستحقاقات ، ففي مايو 2013 كانت أحداث حديقة جيزي بميدان تقسيم والتي كانت محاولة لاستنساخ التجربة الكرواتية للإطاحة بحكومة أردوغان آنذاك، ثم محاولة الانقلاب القضائي في ديسمبر 2013  والتي دبرتها عناصر التنظيم الموازي ، ثم الاستحقاق الانتخابي في مارس 2014 الخاص بالبلديات ، والتي أعقبتها الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2014 والتي تبعها إعادة ترتيب حزب العدالة والتنمية من الداخل عقب تولي أردوغان رئاسة الجمهورية التركية وتخليه رسميا عن رئاسة الحزب ، ثم أحداث العنف التي شهدتها تركيا في أكتوبر من العام ذاته على يد عناصر حزب العمال الكردستاني “PKK” على خلفية سيطرة تنظيم داعش على مدينة عين العرب “كوباني” ، وصولاً إلى الانتخابات البرلمانية الأولى والثانية في يونيو ونوفمبر 2015 ، وما تبعها من تجدد القتال مع تنظيم PKK وانتشار العمليات الإرهابية، كل هذه الأحداث المتتابعة والتي تزامنت مع توحش الثورات المضادة في منطقة الشرق الأوسط والانقلاب العسكري في مصر  فرضت على متخذي القرار الاكتفاء بالدعم اللوجستي المقدم لبعض فصائل المعارضة إضافة إلى المهام الإغاثية والإنسانية التي تحملتها أنقرة تقريباً بمفردها .
لكن ما الذي دفع أنقرة إلى اتخاذ قرار التدخل خاصة أنه يأتي بعد حوالي أربعين يوماً فقط من محاولة الانقلاب الفاشل في الخامس عشر من يوليو الماضي ؟
هناك عدة عوامل ساهمت في تسريع وتيرة التدخل العسكري ، وهي كالآتي : 
1- تطورات الأوضاع في الشمال السوري بعد سقوط مدينة منبج في يد قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل المكون الكردي غالبية عناصرها ، ما يعني أن قوات الحماية الكردية YPG الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD انتقلت للمرة الأولى إلى غرب الفرات ، في مؤشر أن سقوط مدينة جرابلس في أيديهم لن يكون سوى مسألة وقت فقط في ظل دعم التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة غير المحدود لهم ، والذي سيؤدي إلى التئام الرقعة الجغرافية الممتدة من الحسكة شرق الفرات إلى جرابلس غرب الفرات وصولاً بعد ذلك إلى عفرين التي تقع تحت سيطرتهم ما يعني سيطرة قوات الحماية الكردية التي تصنفها تركيا كتنظيم إرهابي تابع لتنظيم  PKK على كامل الشمال السوري ، تمهيداً لفصل جنوب تركيا ذات الأكثرية الكردية وإعلان دولة كردية مستقلة ، وهو ما لا يمكن أن تقف أنقرة إزاءه صامتة .
2- أيضاً من الأسباب التي دفعت تركيا إلى تحريك قواتها داخل سوريا ، تيقنها أن واشنطن لم تعد الحليف الذي يمكن الوثوق به ، خاصة بعد التلكؤ الأمريكي الواضح في إجبار قوات سوريا الديمقراطية على مغادرة مدينة منبج والعودة إلى شرق الفرات ، إضافة إلى الاحتقان الموجود بين البلدين على خلفية المطالب التركية بتسلم فتح الله غولن المقيم في الأراضي الأمريكية والمتهم الأول في محاولة الانقلاب الفاشل . لذا كان قرار التدخل فجر اليوم الذي حلَّ فيه نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن ضيفاً على أنقرة في إشارة إلى الموافقة الأمريكية على العملية العسكرية كترضية للحليف الأهم داخل حلف الناتو بعد الغضب الواضح الذي صاحب تصريحات المسؤولين الأتراك عقب محاولة الانقلاب والذي حرص بايدن على التأكيد أن بلاده لم تكن تعلم عنه شيئاً .
3- لا يمكن فصل التحركات العسكرية التركية عن مجمل التطورات التي تشهدها المؤسسة العسكرية والتي تعد بمثابة ثورة حقيقية في مجمل العلاقات المدنية العسكرية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 ، والتي شهدت إعادة تشكيل مجلس الشورى العسكري الأعلى   بما سمح بحضور مدني غير مسبوق ، إضافة إلى إنهاء خدمة المئات  , حيث صدر آخر قرارات المجلس قبل عملية التدخل بساعات قليلة بإنهاء خدمة حوالي خمسمائة من الرتب المتوسطة ، هذه التطورات يبدو أنها فتحت المجال واسعاً أمام القيادة السياسية لإتخاذ قرار التدخل ليقينها بعدم وجود عوائق من داخل المؤسسة العسكرية ، إذ كشفت تحقيقات ما بعد محاولة الانقلاب ارتباط عدد من الضباط المسؤولين عن الملف السوري  بتنظيم فتح الله غولن ، كما جاءت العملية العسكرية في وقت يحتاجه الجيش التركي لتضميد جراحه واستعادة هيبته وصورته الذهنية في وجدان الشعب التركي لذا كان الإعلان عن إشراف الجنرال خلوصي أكار رئيس الأركان على العملية ، كما تم إسناد قيادة العمليات إلى الفريق أول زكائي أكسقالي الذي لعب دورا مهماً في إفشال الانقلاب .
ورغم أن عملية درع الفرات لايمكن أن تتم إلا وفق تفاهمات تركية – روسية – أمريكية إلا أنها تشكل تطوراً مهما في مجمل المشهد السوري إذ ليس من المتوقع  أن تكتفي تركيا بطرد عناصر داعش من مدينة جرابلس ، بل ووفقاً للبيانات الأولية التي صدرت عقب التدخل مباشرة فإن تركيا ستعمل على تطهير المناطق الحدودية من العناصر والتنظيمات الإرهابية ، كما ستأخذ على عاتقها منع التواجد الكردي غرب الفرات حسب تأكيدات وزير الخارجية تشاوش أوغلو ، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع تقسيمها كما شدد على ذلك الرئيس رجب طيب أردوغان .
بل قد تمتد الأهداف التركية إلى محاولة إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري لاستيعاب اللاجئين .
لكن كل هذا لن يكون أمراًسهلاً ، إذ تعلم أنقرة أنها ولجت إلى منطقة تتقاطع فيها الحسابات الدولية والإقليمية ، ما يفرض عليها تحسس مواقع أقدامها حتى لا تفاجأ يوماً ما باضطرابهما في منطقة رخوة يُعاد تشكيلها جغرافياً وعرقياً .    

 

________________

*كاتب مصري مقيم في تركيا 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان