عبد الحافظ الصاوي يكتب: مخاطر العبث بالبنوك المركزية بليبيا

نشير إلى أن وصول الصراع السياسي بليبيا واليمن إلى محطة البنوك المركزية، يعني فقدان العقل والمنطق في إدارة الملفات الوطنية، وأن هذا الصراع يستهدف هدم هاتين الدولتين. يتبع

عبد الحافظ الصاوي*

عقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، لعبت البنوك المركزية دورًا مهمًا ومحوريًا في انقاذ الاقتصاد العالمي، من خلال ضخها السيولة المنقذة للبنوك المتورطة في الديون المعدومة، مما أدى إلى بقاء هذه البنوك داخل الدورة الاقتصادية، وانقاذها من حلبة الإفلاس. وكان ذلك سببًا في وقف التدهور في اقتصاديات أمريكا وأوربا.

وتعد البنوك المركزية صمام أمان في كافة الاقتصاديات لذلك ينبغي أن تتمتع هذه البنوك بالاستقلالية، وعدم التدخل في عملها من جهة، ومن جهة أخرى أن تكون بمنأى عن التدخل السياسي في شئونها. إلا أن تجربة ليبيا واليمن أتت عكس ذلك، وهو ما ينذر بمخاطر كبيرة على ما تبقى من الاقتصاديات المنهارة في تلك الدولتين.

ففي ليبيا أصبح هناك بنكان مركزيان، وكل منهما يريد أن يتحكم في إصدار العملة وتحديد قدر السيولة في السوق، وفي اليمن تدخل الحوثيون مؤخرًا بتغيير بعض أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي، مما دعا حكومة هادي منصور للإعلان عن عدم التعامل مع البنك المركزي.

مخاطر متعددة
نحن أمام حالة من العبث السياسي غير المدرك لخطورة ما أقدم عليه في ليبيا أو اليمن، وفيما يلي نشير إلى المخاطر المترتبة على هذا التصرف في المجال الاقتصادي، ومنها ما يلي:
• وحدة البنك المركزي تعد رمزًا لما تبقى من الدولة في كل من ليبيا واليمن، بعد الدخول في حرب مفتوحة بالبلدين، لا يعرف لها نهاية، ووجود البنك المركزي بعيدًا عن الصراع السياسي يعد نواة فيما بعد في حالة الوصول لحل سياسي لأي من الملفين الليبي واليمني.
• في حالة ليبيا سوف يفقد الناس الثقة في العملة المحلية المصدرة من الطرفين المتصارعين، واللذين أعطيا لنفسهما حق إصدار العملة، وتحديد مقدار السيولة اللازمة للسوق، وسوف يدفع هذا الأمر المواطنين المقيمين في ليبيا إلى ظاهرة الدولرة، ليس فقط على مستوى المدخرات ولكن على مستوى التعاملات اليومية البسيطة، نظرًا لفقدان الثقة في العملة المحلية، وعدم القبول بها في جميع الأراضي الليبية. فكل عملة يصدرها أحد البنكين ستكون غير قابلة للصرف في المناطق التي يسطر عليه الطرف الآخر.

• في الحالة الليبية سوف تزداد التكلفة الاقتصادية لعملية إصدار العملة، حيث إنها ستدفع مرتين، فالبنك المركزي الأساسي يطبع عملته في بريطانيا، بينما البنك المركزي المستحدث قام بالتعاقد على طباعة العملة المحلية في روسيا. ولا يعد ذلك أكثر من إهدار الموارد الاقتصادية المحدودة في ظل أزمة انهيار أسعار النفط من جهة، ومن جهة أخرى تراجع موارد البلاد النفطية في ظل الحرب الأهلية الدائرة بليبيا والتي تضع الكثير من القيود على حركة تدفق الصادرات النفطية، من خلال سيطرة الفصائل المسلحة على آبار النفط.

• في الحالة اليمنية سوف تتعرض الكثير من الأسر اليمنية التي تعيش في الداخل لفقدان الثقة في سيطرة البنك المركزي على التحويلات التي تصلهم من ذويهم بالخارج، حيث خضع البنك المركزي لسيطرة فريق سياسي، وسوف يناوئه فريق أخر، وقد نسمع في القريب العاجل عن قرار لحكومة هادي منصور بعزمها الإعلان عن بنك مركزي جديد يقع تحت سيطرتها، ويأتمر بأمرها.

• على الرغم من تأخر الكثير من البيانات الأساسية التي صدرها البنك المركزي في كل من ليبيا واليمن، إلا أن المخاوف قائمة فيما يصدر من بيانات عن البنوك المركزية بهاتين الدولتين، وامكانية تلوين البيانات الاقتصادية بالرغبات السياسية للأطراف المسيطرة على مجالس إدارة البنوك المركزية. وهو له خطورته، سواء فيما يتعلق بأسعار الصرف، أو الاحتياطيات من النقد الأجنبي، أو معدلات السيولة، أو معدلات التضخم.

• تعد اليمن في الوضع الطبيعي من الدول الأشد فقرًا، وفي ظل دخولها آتون الحرب الأهلية، وجعلها مكان للصراع السعودي الإيراني، فإن أهلها يعانون من أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة. ولذلك تعمد بعض البرامج الخاصة بالمساعدات الإنسانية للعمل في اليمن، وبخاصة في وسط النازحين قسريا في الداخل اليمني، وسوف تتأثر هذه البرامج سلبيًا بسبب ما يتعرض له البنك المركز من نزاع سياسي والتدخل في آليات عمله. فقد توقف هذه البرامج عملها مع البنوك اليمنية، وحرمانها من تدفع بعض المبالغ بالعملات الأجنبية، واتجاه هذه البرامج لإيداع أموالها في بنوك دول الجوار، أو التركيز على العمل العيني البعيد عن التعاملات النقدية.

غياب الدور العربي
تمثل كل من ليبيا واليمن في عضوية صندوق النقد العربي، ولذلك كان يتوقع أن يكون هناك دور لهذا الصندوق لحسم هذا الصراع حول البنوك المركزية بهاتين الدولتين، وتحديد موقف معلن من إيقاف التعامل مع الجهات المنشقة أو المخالفة للقواعد والقوانين المنظمة لعمل البنوك المركزية بهاتين الدولتين. 
بقى أن نشير إلى أن وصول الصراع السياسي بليبيا واليمن إلى محطة البنوك المركزية، يعني فقدان العقل والمنطق في إدارة الملفات الوطنية، وأن هذا الصراع يستهدف هدم هاتين الدولتين، وليس الوصول لحل، أو بر أمان لاقتصادهما.
_______________________

*كاتب وخبير اقتصادي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان