سمير العركي يكتب: انقلاب تركيا يعمق جراح المعارضة المصرية

لم يكن فشل الانقلاب في تركيا سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ يدرك كل متابع لأحوال المعارضة المصرية خارج مصر التصدعات الشديدة التي أصابت بنيتها والتي لعب الانقسام “الإخواني” دوراً كبيراً في استفحالها.. يتبع.

سمير العركي*

 
مع صباح يوم السبت السادس عشر من يوليو / تموز تنفست المعارضة المصرية خاصة المقيم منها في تركيا الصعداء، إثر تأكدها بصورة قطعية من فشل الانقلاب وتمكن الرئيس التركي رجب طيب أرودغان ورئيس الحكومة من الإمساك بزمام الأمور.
لكن سرعان ما انغمست الأطراف المختلفة في جدل لم تخفت حدته حتى كتابة هذه السطور، ولم يكن سوى انعكاس لحالة التمزق والتشرذم التي تعيشه المعارضة منذ فترة ، والذي قسمها إلى شيع متناحرة لم تتوان عن استخدام عبارات التخوين والعمالة في أحيان كثيرة .
ففريق من المعارضة اعتبر أن آليات مواجهة أردوغان للانقلاب أثبتت فشل قيادات الإخوان ، وأوضحت عجز الرئيس مرسي عن مواجهة انقلاب السيسي ، وأنهم فرطوا في ثورة حقيقة كانت تعم ربوع القطر المصري والتي تمثلت في خروج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين خاصة يوم فض اعتصامي رابعة والنهضة ، كما يؤكد هذا الفريق أن هذه الملايين كان يمكنها إحداث توازن حقيقي في معادلة الصراع حال وجدت من يحسن قيادتها ، هذا إن لم تتمكن من القضاء على الانقلاب وإعادة الرئيس إلى قصر الاتحادية .
فالقيادي في الجماعة الإسلامية م. عاصم عبد الماجد أكد في تدوينة له على صفحته الشخصية موقع الفيس بوك أن : ” الفشل لم ينتج إلا عن خلل.. والاستمرار مع وجود الخلل يعني استمرار الفشل”
وفي بوست آخر يهاجم  جماعة الإخوان بسبب ما أسماه العزف على نوتة المخابرات الموسيقية وترديد مقولة ليس في الإمكان أبدع مما كان. إذ يعتبر أن الهدف الواضح منه هو منع المصريين من التطلع للتأسي بالأتراك في رفضهم حكم العسكر.
كما يعتبر أنه رغم حبه لجماعة الإخوان ولمرسي  إلا أنه لا يستطيع مجاملتهم على حساب الدين والأمة.
رئيس حزب البناء والتنمية د. طارق الزمر من جانبه اعتبر في تدوينة له أن ” كل شخص أو كيان لا يقدم جديدا ميدانيا أو فكريا في مواجهة خصوم شعبه سوى هدم وتخوين رفقاء الطريق فهو لا يمتلك مشروعا.. أو أن مشروعه ضل الطريق.. أو أنه يوظف نفسه لدى عدوه وهو لا يدري”. تدوينة الزمر اعتبرها كثيرون موجهة إلى جماعة الإخوان والكيانات المرتبطة بها .
و كشف الإعلامي أحمد منصور في مقال له بجريدة الوطن القطرية النقاب عن تحذير حمله أحد الزعماء العرب إلى مرسي في شهر مارس/آذار 2013  عن انقلاب محتمل يدبر ضده. وبحسب رواية منصور فإنه “حمل له أخبارا فيها تفاصيل مذهلة عن انقلاب يدبر ضد النظام يقوده السيسي ويدعمه الأمريكان والأوروبيون، وقدم له خطة استباقية لإفشال الانقلاب، لكن هذا المسؤول الذي كان ضالعا في السياسة الدولية وكان يحتل مكانة عربية ودولية بارزة وليس فقط محلية فوجئ بمرسي يضحك منه ملء شدقيه ويسخر من كلامه حينما تحدث له عن الجيش والسيسي، وقال له بالحرف الواحد وهو يشير إلى بطنه وجيبه، أنا في بطني بطيخة صيفي من الجيش.. أما السيسي فهو في جيبي الصغير هذا” .
في المقابل انبرى فريق آخر من المعارضة للرد ، مؤكدين أن انقلاب تركيا الفاشل أعاد الاعتبار لمرسي ، إذ أوضح – حسب وجهة نظرهم – مدى تغلغل الدولة العميقة وتشعبها حتى أن أردوغان بكل إنجازاته وسنواته الطويلة في الحكم لم يتمكن من كبح جماحها وكادت أن تقضي عليه في ليلة واحدة ، فكيف يلام مرسي وهو الذي أكمل عاماً في الحكم وسط صعوبات بالغة ومؤسسات لم تكن تأتمر بأمره كما اعترف قادتها لاحقاً ؟
بل مضى نائب رئيس المجلس الثوري المستشار  وليد شرابي بعيدا في هجومه إلى حد وصف الفريق المعارض الآخر بـ”الأقزام السبعة “الذين لم يستغلوا الحالة التركية لدعوة الجماهير للاصطفاف خلف القيادة الشرعية لمصر لكنهم  من داخل غرفهم المكيفة راحوا يوجهون سهامهم للتطاول على البطل الصامد الرئيس مرسي وهو يرتدي بدلة إعدامه!” حسب تعبيره.
وهكذا لم يكن فشل الانقلاب في تركيا سوى القشة التي قصمت ظهر البعير ، إذ يدرك كل متابع لأحوال المعارضة المصرية خارج مصر التصدعات الشديدة التي أصابت بنيتها والتي لعب الانقسام ” الإخواني ” دوراً كبيراً في استفحالها ، والتي يمكن ملاحظتها بوضوح من خلال المعارك الكلامية التي نشبت بين المجلس الثوري وبين الجمعية الوطنية (التي لم يتم الإعلان عنها رسميا حتى الآن) كما دخل التحالف الوطني لدعم الشرعية على خط التجاذبات بإعلان ترحيبه بالجمعية الوطنية في الوقت الذي تشهد فيه مواقع التواصل الاجتماعي حملات تشهير بشخصيات ثورية معروفة مثلما حدث مع د. سيف الدين عبد الفتاح ، ود. محمد محسوب وغيرهما والتي وصلت إلى حد الاتهام بالنفاق وفساد الذمة المالية!
وهكذا فإن التجاذبات الأخيرة أثبتت أن سبل اللقاء بين أطياف المعارضة المصرية لم تعد ممكنة، وأن الأحداث التي كان بإمكانها أن تصير نقطة التقاء تحولت إلى أداة لتعميق الانقسام ، وهذه هي أهم الفروق بين الحالة التركية ونظيرتها المصرية .

______________________

*كاتب مصري مقيم في تركيا 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان