عبد القادر عبد اللي يكتب : انقلابيون أكثر من الانقلابيين

في تركيا صحافة لكل من هب ودب، بمن في ذلك بشار الأسد، وما زالت تصدر إلى اليوم بحرية لا يمكن لكتاب الطغاة أن يتخيلوها.

 عبد القادر عبد اللي*

 
يمكن للإنسان أن يتفهم دفاع بعض الدوائر الغربية عن الانقلابيين الأتراك، لأن تلك الدوائر أصلاً متورطة بطريقة ما بتلك المحاولة، وأصبح هناك عشرات الأدلة على هذا التورط. ولكن الغريب أن عدداً مهماً من الصحفيين العرب يعملون وفق مقولة: “ملكيون أكثر من الملك”، فيدافعون عن الانقلابيين الأتراك بطريقة مستميتة بعد فشلهم، ولم يبق شيء لم يبكِ عليه هؤلاء المدافعون عن الانقلاب، ولكن الديمقراطية وحرية الإعلام وحقوق الإنسان أكثر ما يتظاهرون بالخوف عليه.
الديمقراطية:
عند مراجعة القوانين والمواد الدستورية التي أقرها البرلمان التركي، لا يفوت أحد أن أهم خطوات التحول الديمقراطي قد اتخذت في تركيا خلال العقد الأخير من الزمن، ففي هذه الفترة قلصت صلاحيات العسكر، وأقرت قوانين الحقوق الثقافية للأقليات القومية، وأزيلت الصعوبات من أمام تأسيس الأحزاب السياسية، ووضعت عوائق كبيرة أمام حظرها… وما زال  المشرّع التركي يعلن عن مشاريع قوانين تنحو باتجاه مزيد من الانفتاح الديمقراطي، وعلى الرغم من هذا نصب كثير من وسائل الإعلام العربية جلسات النواح على احتمال فقدان تركيا للديمقراطية.
بالطبع لا ضرورة للأدلة، ويكفي استخدام مصطلحات مستعارة من أنظمة الاستبداد العربية، وتطويعها على الحالة التركية، مثل: “الأردوغانية، شبيحة أردوغان، كتائب أردوغان…” وبالطبع فإن هذه الصفات تطلق على الذين نزلوا إلى الشوارع ضد الانقلاب، ثم فيما بعد شاركوا بالتظاهرات المتواصلة، والتي تسمى داخل تركيا “تظاهرات الدفاع عن الديمقراطية” حتى وإن كانوا أشد عداء لأردوغان من أولئك الكتاب أنفسهم.
لو راجعنا كتابات هؤلاء التي تعود إلى قبل شهر فقط، لرأينا أن تصريحات المعارضة التركية وادعاءاتها كل ما يعتمدون عليه، وبقوا حتى عشية الانقلاب يعتبرون تلك الادعاءات حقائق لا يأتيها الباطل من أمام أو خلف. بعد الانقلاب لم يعد يرى هؤلاء الكتاب معارضة تركية، واختفت عن ذاكرتهم حتى شخصية تعتبر نفسها الوكيل الحصري للأتاتوركية مثل كمال قلتشدار أوغلو، وأصبح الجميع في تركيا أردوغانيين.
لقد اتخذت المعارضة التركية مواقف وطنية، وسمت على خلافاتها مع الحكومة، ودافعت عن الديمقراطية التي تضمن لها حق استمراريتها، وهذا ما لا يستطيع فهمه “شبيحة/ بلطجية” الديكتاتوريات العربية.
الحرية الإعلامية
لا يمكن قبول إغلاق أي صحيفة مهما كانت نوعية هذه الصحيفة، لأن الفكر يجابه بالفكر، ومن واجب الإعلاميين والكتاب العرب أن يدافعوا عن زملائهم الصحفيين. ولكنهم هل يفعلون هذا؟ عندما يتباكون على إغلاق مؤسسات فتح الله غولن الإعلامية، ويعتبرون إغلاقها اعتداءً على الصحافة المعارضة، يقعون في مأزق أخلاقي، لأنهم تحت هذا العنوان يعتبرون القضية حرباً على الصحافة المعارضة.
ألا يوجد في تركيا صحافة معارضة حقاً؟
في تركيا صحافة لكل من هب ودب، بما في ذلك بشار الأسد، وما زالت تصدر إلى اليوم بحرية لا يمكن لكتاب الطغاة أن يتخيلوها. وما زالت إلى اليوم أكبر الإمبراطوريات الإعلامية التركية معارضة. على سبيل المثال مؤسسة ضوغان التي لها ثاني أكبر وكالة أنباء بعد وكالة الأنباء الحكومية، وخمس صحف كبرى، وعشر قنوات تلفزيونية من أوسع القنوات انتشاراً، وثلاث مجلات وخمس إذاعات، وللتذكير فقط، فقد أعلن صاحب هذه الإمبراطورية أن إسقاط رجب طيب أردوغان هو هدفه الأكبر والأهم.
بالمناسبة، فإن القناة التلفزيونية التي اتصل بها أردوغان من أجل بث كلمته عبر الهاتف ليلة الانقلاب هي قناة تلفزيونية معارضة ولكن حراس الحقيقة من الصحفيين العرب يصرون على أنها أردوغانية، وهي ليستمن مجموعة ضوغان. ولكثير من أحزاب المعارضة التركية قنوات تلفزيونية تهاجم الحكومة طوال ساعات اليوم إلا في موضوع الإجراءات المتخذة ضد الانقلابيين.
إن أي جردة بسيطة للإعلام التركي ستبين بأن ثمانين بالمائة منه على الأقل ما زال معارضاً. ويبدو أن الحرية الإعلامية التي ينشدها شبيحة الانقلاب التركي العرب هي حرية تأييد الانقلابات.
حقوق الإنسان:
الذين يمارسون حقهم بالدفاع عن الانقلاب، يفرضون على أنفسهم قانون طوارئ خاصا بهم يحظر عليهم ذكر عضوية الجمهورية التركية للمؤسسات الأوربية، والتزامها بمحكمة حقوق الإنسان الأوربية، وحق المواطن التركي بتقديم شكوى على حكومة بلده وأجهزتها القضائية، وفيما لو كسب هذه الدعوة فالحكومة التركية ملزمة بالتطبيق… ويبدو أن قانون الطوارئ الذي يفرضه الإعلاميون عشاق الانقلابات على أنفسهم أشد بكثير من قانون الطوارئ الذي أعلنته تركيا إبان الانقلاب العسكري.
وقد رفع سياسيون وناشطون قريبون من حزب العمال الكردستاني مئات الدعاوى لهذه المحكمة، وكل الدعاوى التي يجد صاحبها أنه مغبون لابد وأن تصل إلى محكمة حقوق الإنسان الأوربية.
هناك دعاوى يكسبها البعض، وتقوم الحكومة التركية بتعويض هؤلاء، ورد الاعتبار لهم. وقبل وقت قريب رفع اللوبي الأرمني دعوى إلى هذه المحكمة ضد رئيس حزب سياسي تركي معارض، ولكن ذلك اللوبي خسرها أيضاً.
إذاً هناك تجاوزات لحقوق الإنسان في تركيا، ولمن تتعرض حقوقه للتجاوزات حق التقاضي، وعند انسداد الطريق القانوني التركي أمامه، من حقه اللجوء إلى القضاء الأوربي، وفيما لو كسب دعواه ستضطر الحكومة التركية للتنفيذ…
عشق الانقلابات
وقفت تركيا بيمينها ويسارها، وبمعارضتها وموالاتها ضد الانقلاب العسكري. والأحزاب السياسية كلها أيدت الإجراءات المتخذة ضد الانقلابيين، وهناك في المعارضة التركية من يدعو إلى مزيد من التطهير لمؤسسات الدولة من جماعة فتح الله غولن، وهناك من يدعو لأن تشمل هذه العمليات الجماعات الإسلامية الأخرى التي يمكن أن تكون قد تسللت إلى الدولة، وعلى الرغم من هذا هناك بين العرب من يكدح ليل نهار من أجل تصوير أن الانقلابيين يتعرضون إلى ظلم، وأن تركيا “قد” تتجه نحو الديكتاتورية…
بعض الذين طالهم التطهير من المدنيين والصحفيين أدلوا بإفاداتهم بأنهم من تيار فتح الله غولان، ولكنهم كانوا يعتقدون بأن حركته مجرد حركة دعوية، ولا علاقة لها بالانقلابات، وهم الآن تنبهوا لخطئهم… بالمناسبة هذه الاعترافات تتم بحضور المحامين وهي معتمدة في محكمة حقوق الإنسان الأوربية.
بمعنى آخر فإن الانقلابيين أنفسهم يحاولون إيجاد طريقة للتملص مما تورطوا به، ولكن عشاق الانقلابات العرب أشد انقلابية من الانقلابيين أنفسهم.

__________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان